2021-09-27

الزيادة الهائلة في القوة العسكرية القطرية تأتي مصحوبة بصداع سياسي ولوجستي

مناورات "صقر 21" الجوية القطرية
مناورات "صقر 21" الجوية القطرية بمشاركة قوات أميركية وتركية في 28 نيسان/ أيريل 2019 (وزارة الدفاع القطرية)

رياض قهوجي – مدير عام الأمن والدفاع العربي

بعد فورة إنفاق غير مسبوقة من المقرر أن تزيد من عدد طائراتها الحربية بنسبة 900 في المائة، تجد الحكومة القطرية نفسها تصارع مشكلة لوجستية: كيف ستقوم الدولة الصغيرة الغنية بالنفط التي يبلغ عدد سكانها 550 ألف شخص بإدارة وتشغيل ترسانة أسلحتها الضخمة.

يبدو أن هناك خطة حالية قيد التنفيذ، حيث تعتزم الحكومة القطرية نشر حوالي 36 من طائراتها الحربية وتلك المخصصة للنقل في تركيا بموجب اتفاقية “انتشار مؤقت” مدتها خمس سنوات. لكن هذه الخطوة يمكن أن تخلق متاعب سياسية لكلا البلدين، حيث يتعيّن على الحكومة الفرنسية أن تزن السياسات المحلية والرغبة في توسيع وجود صناعاتها الدفاعية في المنطقة.

إن الاتفاقية، التي جرى العمل عليها منذ مدة ووقعها أخيرًا رئيسا أركان البلدين في الدوحة في 2 مارس 2021، تسمح لقطر بنشر طائرات مقاتلة وناقلات من القواعد التركية لمهام التدريب وتوفير الدعم داخل المجال الجوي للبلد المضيف.

وفقًا لتقارير صحفية قطرية وتركية، سيتم نشر حوالي 12 مقاتلة قطرية من طراز رافال و10 طائرات حربية من طراز ميراج 2000، إلى جانب طائرات نقل C-130J Super Hercules وC-17 في تركيا بموجب الإتفاقية (هذا ولا توجد معلومات واضحة حول موعد قيام الدوحة بنشر طائراتها في تركيا). إن هذه الخطوة هي تعزيز للعلاقة بين البلدين. لدى تركيا قاعدة عسكرية في الدوحة مع حوالي 5000 جندي يتمركز فيها.

وينصّ الإتفاق، الذي لم يتم الإعلان عنه رسميًا ولكن تم تسريبه إلى وسائل الإعلام، على أن قطر ستبني المرافق المطلوبة لاستيعاب الطائرات الحربية وطياريها وطواقمها المساندة.

هذا وتمنح الاتفاقية قطر مكانًا لتموضع طائراتها الحربية الجديدة وتدريب طياريها، مع تعزيز العلاقات مع تركيا. في غضون ذلك، ستعمل أنقرة على تعزيز موقعها الجغرافي الاستراتيجي من خلال ضمان علاقات عسكرية قوية مع منتج رئيس للنفط والغاز في وسط دول الخليج العربية المجاورة لإحدى منافسيها الإقليميين الرئيسين – المملكة العربية السعودية. وإذا ما نظرنا إلى المستقبل، يمكن أن تصبح قاعدة الطائرات المقاتلة دائمة، وقد تفكر الدوحة في التبرع بالطائرات لأنقرة كعربون تقدير، إذا تم منح الموافقة من باريس.

وفقًا لمصادر وخبراء في الصناعة الدفاعية، فإن نشر طائرات حربية هجومية في بلد أجنبي يتطلب موافقة مسبقة من الدولة التي تم بناء الطائرات فيها – في هذه الحالة فرنسا، حيث التزم المسؤولون الحكوميون الصمت بشأن هذه القضية.

في هذا الإطار، تواصلت Breaking Defense عبر البريد الإلكتروني مع وزارة الدفاع الفرنسية للحصول على تعليقات بشأن الاتفاقية التركية القطرية. وأقرت وزارة الدفاع الفرنسية بإدراكها للاتفاق، وأشارت إلى أن “الفقرة 15 فقط من المادة 4 تتعلق بالطائرات المقاتلة وأنه لا يُذكر سوى أنه في حالة تحليق طائرات مقاتلة (قطرية)، يجب أن تكون طائرة تركية جزءًا من عملية الطيران.”

كما تسمح الاتفاقية للأتراك بوجود ضابط مراقبة واحد على الأقل على متن طائرة نقل قطرية. والجدير بالذكر أن الاتفاقية لا تتطرق إلى ما إذا كان سيتم السماح لضابط تركي بقيادة الطائرات القطرية، أوالمشاركة قيادة طائرات بمقعدين من نوع رافال أو ميراج. (تشغل قطر طائرات مقاتلة ذات مقعد واحد ومقعدين؛ ومن غير المعروف في الوقت الحالي ما إذا ستكون الطائرات ذات المقعدين من بين تلك التي سيتم نشرها في تركيا).

ولم يتم الرد حتى الآن على أسئلة أخرى حول ما إذا كانت وزارة الدفاع قد وافقت على نشر المقاتلات الفرنسية الصنع في تركيا أو وافقت على نقلها بواسطة طيارين أتراك. ومع ذلك، يعتقد بعض الخبراء أن باريس قد ترى فوائد في السماح بنشر المقاتلات القطرية، على الرغم من المعارضة المحلية المحتملة والتحفظات المحتملة من اللاعبين الأجانب.

ووفقًا لجوستين مازونييه، مستشارة أمنية فرنسية مستقلة، يمكن أن تمنح هذه الاتفاقية صناعة الدفاع الفرنسية خطوة نحو اختراق السوق التركية – وهو هدف طال انتظاره. وقالت: “حاولت فرنسا لسنوات طويلة دخول السوق التركية (على الرغم من حظر الأسلحة في عام 2019). سيكون بمقدور العسكريين الأتراك الآن تقييم جودة الصناعات الفرنسية وتحديد احتياجاتهم العملياتية بأنفسهم.”

أصبحت علاقة تركيا بالعديد من حلفائها في الناتو متوترة في السنوات الأخيرة، لكن مازونييه قالت إن العلاقات الفرنسية التركية انتعشت بهدوء في عام 2021.

ومع ذلك، ستحتاج صناعة الدفاع الفرنسية إلى السير بحذر، بالنظر إلى أن اليونان – التي أصبحت خلافاتها القديمة مع أنقرة أسوأ بفضل النزاع على حقول النفط والغاز في البحر الأبيض المتوسط – بدأت مؤخرًا في استلام 18 مقاتلة رافال من فرنسا. هذا ولا يمكن تجاهل السياسة الداخلية.

من جهته، قال بيت مور، باحث رئيسي زائر في مركز الدراسات الكويتية في مدرسة باريس للشؤون الدولية: “أتصور أنه لن يكون من السهل على (الرئيس الفرنسي إيمانويل) ماكرون بوجود طائرات حربية فرنسية الصنع في تركيا بشكل علني نظرًا لصراعاته الداخلية حول الإسلام والعرب في فرنسا. من المؤكد أن يُنظر إلى هذا الاقتراب من الزعيم التركي على أنه أمر غير جيد بالنسبة له في عام الانتخابات الرئاسية.”

لا شك أنه هناك فجوة واضحة في تحديث الأسطول العسكري الجوي التركي يمكن أن تملأها مقاتلات رافال. وكانت تلاشت خطط أنقرة التي امتدت لعقد من الزمن للحصول على الجيل الخامس من مقاتلات F-35 Joint Strike Fighter من الولايات المتحدة بعد إلغاء عقدها مع الولايات المتحدة بسبب شراء أنقرة لنظام الدفاع الجوي الروسي S-400.

ومن غير المرجح أن يكون لدى فرنسا المخاوف نفسها التي أثارتها الولايات المتحدة بشأن S-400 التي بإمكانها أن تجمع المعلومات حول المقاتلة الشبحية، حيث تفتقر رافال إلى هذه القدرة خاصة وأنها كانت في الخدمة لفترة أطول بكثير من الأف-35، كما قالت مازونييه. وأضافت أن المقاتلات القطرية في تركيا لن تكون مسلحة على الأرجح، وبالتالي “لن يتمكن المراقبون الأتراك الموجودون في قمرة القيادة إلا من تقييم مدى تحمل طائرات رافال أثناء التمرين” دون الوصول إلى الأنظمة الحساسة على الطائرات الحربية.

قانون الموازنة

يعتقد العديد من الخبراء أن قطر تواجه مشكلة خطيرة في استيعاب الكميات الكبيرة من الطائرات الحربية والسفن البحرية التي اشترتها مباشرة بعد أزمة عام 2017 مع جيرانها العرب – المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر – التي قطعت العلاقات وفرضت حصارًا عليها. عندما انتهى النزاع في ديسمبر/كانون الأول الماضي وعادت العلاقات إلى طبيعتها، وجدت قطر نفسها فجأة تمتلك الكثير من المعدات من دون مسار واضح للمضي قدمًا.

وقال جودت بهجت  أستاذ أمن قومي في مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الاستراتيجية بجامعة الدفاع الوطني في آميركا إن “سبب الحشد العسكري القطري هو التصور، عن صواب أو خط، أن القوات السعودية (ربما بدعم من حلفاء آخرين) كانت ستغزو قطر في عام 2017 وتهندس” تغيير النظام.”

حتى عام 2017، كان سلاح الجو القطري يتكون من سرب واحد من 12 طائرة حربية من طراز ميراج 2000 و18 ناقلة (C-17 و C-130J وBoeing 707 و727 وAirbus 340) و21 طائرة تدريب من طراز PC-21 Pilatus و46 مروحية لمهام النقل والهجوم.

ولكن منذ ذلك الحين، وقعت قطر عقودًا بقيمة 30 مليار دولار على الأقل لشراء كمية من المعدات الجديدة، بما في ذلك 36 طائرة مقاتلة من طراز F-15QA و24 طائرة هليكوبتر من طراز أباتشي من الولايات المتحدة، وحوالي 24 طائرة حربية من طراز يوروفايتر تايفون و9 طائرات تدريب من طراز هوك من بريطانيا، و28 طائرة هليكوبتر NH-90 من إيطاليا و36 طائرة رافال و2 A330 MRTT من فرنسا. في غضون ذلك، اشترت البحرية القطرية ثماني سفن جديدة، مما سيضاعف حجم أسطولها تقريبًا. وبدأ تسليم شحنات من هذه الطائرات والطرادات وقوارب الدوريات البحرية هذا العام ومن المتوقع أن تنتهي في عام 2024.

بعبارة أخرى: إن عدد الطائرات الهجومية الحديثة في ترسانة سلاح الجو القطري سيزداد تسع مرات على مدى سبع سنوات – مع حوالي 108 طائرات حربية جديدة، وستتضاعف أساطيل طائرات الهليكوبتر الخاصة بهم.

وهذا يثير سؤال واضح: أين يمكن لقطر أن تجد القوة البشرية لترسانتها الجديدة، وأين ستدربها؟

قد تكون الصفقة مع تركيا إحدى الطرق التي يمكن أن تسلكها قطر لتحقيق الجزء التدريبي. وقعت قطر عقدًا مع شركة بوينغ لتدريب طياريها في الولايات المتحدة، وهي تقترب أيضاً من إبرام صفقة لشراء طائرات تدريب متقدمة من طراز M-346 من شركة ليوناردو، وتدريب الطيارين في إيطاليا.

يمكن أن ينتهي الأمر بقطر أيضًا بتكليف ضباط من الخارج للخدمة في القوات الجوية والبحرية لسد الفجوات الكبيرة المحتملة في نقص القوى العاملة. تكليف الضباط الأجانب، وخاصة من العسكريين الأوروبيين والأميركيين والعسكريين السابقين من بعض الدول العربية والإسلامية، أمر شائع في دول الخليج العربية.

وختم بهجت: “يمكن النظر إلى توسيع القوات الجوية والبحرية على أنه “بوليصة تأمين”. فقد اعتبرت العائلة المالكة القطرية أن التهديد بتغيير النظام يمثل تهديدًا وجوديًا، وإن الطريقة الوحيدة لمواجهة هذا التهديد كانت أيضًا بالتحالف مع قوة إقليمية رئيسة أخرى – تركيا.”

لمراجعة المقال في اللغة الإنكليزية، يمكنكم الضغط على الرابط التالي:https://breakingdefense.com/2021/07/qatars-massive-increase-in-military-power-comes-with-political-logistics-headaches/

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.