2021-10-21

بعد فضيحة التجسس بواسطة PEGASUS إسرائيل في ورطة عالمية

العميد م. ناجي ملاعب

إذا كانت التكنولوجيا العليا “الهايتك” هي أكثر ما تفخر به إسرائيل، والقاطرة التي تقود اقتصادها، فقد بان في الأيام الأخيرة الجانب المظلم للتكنولوجيا الإسرائيلية وتصدر حديث العالم اليوم؛ فما كان للفخر أصبح للانتقاد، بعد أن تصدر برنامج التجسس الإسرائيلي “بيجاسوس” الذي تملكه شركة NSO العناوين الرئيسية في الصحف الدولية. حجم التجسس الذي يقوم به بيغاسوس أثار موجة جدل داخل إسرائيل وخارجها، فهل يحاسب الكيان الصهيوني على استخدام وبيع برامجه التجسسية؟

بدأت الوقائع تتكون في تلقي المحامي الإماراتي المعارض والناشط في مجال الدفاع عن حقوق الانسان أحمد منصور رسلة نصية على هاتفه جاء فيها أن المرسل لديه أدلة على عمليات التعذيب السرية التي تجري في سجون الإمارات العربية. لكن منصور أرتاب في الأمر ولم يفتح الرابط المرفق بالرسالة بل حوّلها إلى الخبراء في مختبر سيتيزن لاب في كندا الذي يعمل في هذا المجال.

وأكتشف الخبراء في كندا أن الضغط على الرابط يجعل الهاتف أداة للتجسس على صاحبه عبر كاميرا الهاتف والمايكروفون ويمكن للجهة المرسلة للرابط الوصول إلى كل ملفات الهاتف بما فيها الرسائل النصية والصور والبريد الإلكتروني.

وتبين للمختبر أن برنامج القرصنة المرسل لأحمد منصور هو من أكثر البرامج تطوراً وتعقيداً ولم يسبق أن شاهدوا مثيلاً له وتأكدوا من أن مجموعة “إن إس أو” (NSO) الإسرائيلية مالكة برنامج “بيغاسوس” للتجسس هي التي أنتجت هذا “السلاح المتطور”.

وإضافة إلى الدعوى التي رفعها المعارض السعودي عمر عبد العزيز في كندا هناك دعاوى ضدها في كل من قبرص وإسرائيل رفعها مواطن قطري ومجموعة من الصحفيين والنشطاء المكسيكيين الذين وقعوا ضحايا تنصت ومراقبة عبر برمجيات صدرتها الشركة الاسرائيلية.

Pegasus … نشوء الشركة وعائديتها 

تأسست الشركة عام 2010 ومقرها في مدينة هرتزيليا، ومالكتها “شركاء فرانسيسكو” الأمريكيةوحسب مؤشر المراقبة الدولي فإن وحدة النخبة في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية التي تحمل رقم 8200 هي التي مولت الشركة لدى انطلاقها. وتقول الشركة إنها تعمل في مجال إنتاج التجهيزات المستخدمة في محاربة الجريمة والإرهاب، لكن خبراء الأمن يقولون إنها تاجر أسلحة الفضاء الافتراضي، السايبر. ومن المفيد الإشارة الى ما كتبنه مجلة فوربس أن الوحدة 8200 لعبت دوراً بارزاً في الهجوم الإلكتروني الذي تعرض له البرنامج النووي الإيراني قبل سنوات باستخدام فيروس Stuxnet وكان الهجوم ثمرة جهد مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

حققت الشركة التي أسسها ويديرها الإسرائيليان أومري لافي وشاليف هاليو، أرباحا طائلة، وتقدر قيمتها السوقية في الوقت الراهن بحوالي مليار دولار.. وارتبط اسمها بحكومات دول تشهد انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان. ورغم أن برامج الشركة تستخدم لمواجهة أنشطة الجريمة والإرهاب – كما تدعي، لكن الكثير من الحكومات تستخدمها في التجسس على معارضيها والصحفيين ونشطاء حقوق الإنسان.

وتعامل الحكومة الاسرائيلية منتجات الشركة مثل أي شركة مصدرة للسلاح، إذ تشترط عليها الحصول على تصريح من وزارة الدفاع لتصدير أي من منتجاتها إلى الخارج. وكانت الشركة باعت نسخة قديمة من هذا البرنامج لحكومة المكسيك عام 2012 بهدف التصدي لعصابات تجارة المخدرات في البلاد، لكن صحيفة نيويورك تايمز قالت في عام 2016 إن السلطات استخدمت البرنامج للتجسس على صحفيين ومحامين معارضين.

تُعتبر شركة NSO إحدى أشهر الشركات الإسرائيلية، وهي المسؤولة عن تطوير برنامج “بجاسوس” ، وبعد أن عرف العالم نشاط شركة NSO  وتعرضها للجدل والانتقاد، سمحت وزارة الدفاع الإسرائيلية – في عماية التفاف واضحة – لشركة أُخرى تدعى “كانديرو” بالعمل مع عدد من الدول، وكانت شركة “مايكروسوفت” اتهمت “كانديرو” بتطوير برنامج معلوماتي استخدمته عدة حكومات للتجسس على أكثر من 100 صحفي وسياسي ومعارض ومدافع عن حقوق الإنسان حول العالم، بحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز.

وبحسب واشنطن بوست فإن الصفقات بين NSO  وعملائها – وفي مزيد من التمويه – تتم أحياناً بواسطة شركة ثانوية للسايبر باسم “كيو سايبر” التي توجد في لوكسمبرغ.

وحينما يتعلق الأمر بأرباح شركات التكنولوجيا فإن الصورة أبعد ما تكون عن الوضوح، بحسب “ميدل إيست آي”. ولأنها شركات خاصة لا يتم تداول أسهمها بأسواق الأوراق المالية، فإن تلك الشركات تحافظ على سرية قوائم زبائنها وحجم العقود المبرمة معهم، وتكاليف كل مشروع حسب فترة التنفيذ والمواد المستخدمة فيه، حتى أنه ليس من السهل الحصول على تقاريرها المالية المتعلقة بإجمالي الإيرادات وتكاليف التشغيل والأرباح.

أكثر من 50 ألف رقم هاتف قيد مراقبة “إن إس أو“.

تستخدم الشركة الآن النسخة المحدثة من هذا البرنامج الذي يحمل رقم Pegasus 3 وبمجرد الاتصال عبر تطبيق واتساب في أي هاتف يتم اختراق الهاتف عبر زرع هذا البرنامج في الهاتف المستهدف ويمكن عبره الوصول الى كل الملفات واختراق كل لإجراءات الأمنية التي طورتها شركة ايفون لحماية هواتفها.

مجموعة من المصادر الإخبارية من جميع أنحاء العالم في الأيام القليلة الماضية، بما في ذلك “واشنطن بوست” (The Washington Post) و”الغارديان ” (The Guardian)، نشرت العديد من القصص التي توضح بالتفصيل الانتهاكات المزعومة الجديدة لبرامج التجسس التابعة لمجموعة “إن إس أو” في العديد من البلدان. وتستند هذه القصص إلى قائمة مسربة تضم أكثر من 50 ألف رقم هاتف، يُزعم أنها محط اهتمام عملاء “إن إس أو”.

وحلل مختبر الأمن التابع لمنظمة العفو الدولية 37 هاتفا ذكيا مدرجا في القائمة، ووجد دليلا على أنه تم اختراقها أو استهدافها ببرامج التجسس الخاصة بمجموعة “إن إس أو”. وقامت المؤسسات الإخبارية، بمساعدة منظمة “فوربدن ستوريز” (Forbidden Stories)  الفرنسية غير الربحية ومنظمة العفو الدولية، بتمشيط هذه القائمة وتحديد العديد من الصحفيين والنشطاء والسياسيين.

أكبر قضية تجسس عالمي .. وعبر الواتسآب

في 14 أيار من العام 2019 أعلنت شركة “واتسآب” إنها عالجت الخلل الأمني الكبير الذي عثرت عليه في تطبيق الرسائل والاتصالات الذي يحمل اسمها، والذي سمح لقراصنة بتثبيت برنامج تجسس على هواتف ايفون. وقالت شركة فيسبوك، التي تملك واتسآب، إن الهجوم استهدف عدداً محدداً من الأشخاص.

وأكدت الشركة أنها اكتشفت قبل 10 أيام أن شركة NSO الإسرائيلية التي تعمل في برمجيات التجسس، زرعت برنامجاً في هواتف عدد من الأفراد عبر خاصية الاتصال في واتسآب، حتى وإن لم يرد صاحب الهاتف على الاتصال الذي يختفي من سجل الاتصالات في الهاتف المستهدف كي لا يثير انتباه صاحبه. وقد تقدمت فيسبوك بشكوى ضد شركة NSO الإسرائيلية بعد أن تعرضت لهجوم من برنامج تجسس يتيح الوصول إلى مضمون المراسلات على الهواتف الذكية.

وتضم القائمة التي حاول زبائن البرنامج ملاحقتها، أرقام هواتف كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس العراقي برهم صالح، ورئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا، ورئيس الحكومة المغربية سعد الدين العثماني، ورئيس الحكومة اللبنانية السابق سعد الحريري، والعاهل المغربي الملك محمد السادس وغيرهم.

 كما تظهر في القائمة أرقام هواتف أكثر من 600 مسؤول حكومي وسياسي من 34 دولة في شتى أنحاء العالم. ومن بين هذه الدول أفغانستان، وأذربيجان، والبحرين، وبوتان، والصين، والكونغو، ومصر، والمجر، والهند، وإيران، وكازاخستان، والكويت، ومالي، والمكسيك، ونيبال، وقطر، ورواندا، والسعودية، وتوغو، وتركيا، والإمارات العربية المتحدة، وبريطانيا، والولايات المتحدة.

أكدت التقارير أنه لم يتضح بعد ما إذا كانت الهواتف الواردة في القائمة تم اختراقها بالفعل، وما إذا كان أصحاب هذه الأرقام تعرضوا بالفعل إلى التجسس، أم أنها كانت قائمة أهداف محتملة، في الوقت الذي نفى مؤسس شركة NSO أي صلة للشركة بهذه القائمة.

الإنكار سياسة دائمة للتهرب من المسؤولية

أدلة كثيرة تثبت أن قدرات إسرائيل السيبرانية الهجومية – وخاصة التكنولوجيا التي تستخدمها مجموعة “إن إس أو”- لعبت دورا كبيرا في سياسة رئيس الحكومة السابق بنيامين نتنياهو الخارجية، وفق ما كشفته صحيفة هآرتس (Haaretz) ، فقد أبرمت دول من بينها المجر والهند ورواندا والإمارات وغيرها صفقات مع مجموعة “إن إس أو” عقب زيارة نتنياهو لها. وفي تقرير الشفافية الأخير، وفيما يبدو التهرب من المسؤولية واضحاً، فقد أعلنت الشركة إنها قطعت العلاقات مع خمسة عملاء منذ عام 2016 “بعد تحقيق في سوء الاستخدام”، لكن الشركة لم تذكر أسماء العملاء ولا الظروف المحددة التي جعلتها تتخذ مثل هذا القرار.

وجاء تأكيد جون سكوت رايلتون، كبير الباحثين في “سيتزن لاب” (Citizen Lab)، وهي هيئة مراقبة للحقوق الرقمية تابعة لجامعة تورونتو والتي حققت في نشاط مجموعة “إن إس أو” لسنوات ، على التهرب بقوله إن “المجموعة سقطت في نمط مألوف وهو الإنكار والعودة إلى الظل، كلما ظهرت تقارير تسلط الضوء على ممارسات عملائها واستخدامهم لبرامجها”.

وقامت مجموعة “إن إس أو” على مر السنين بمهاجمة التقارير عن الشركة، والتي أظهرت مرارا وتكرارا أن عملاءها يشملون الأنظمة الاستبدادية التي تستهدف الصحفيين والنشطاء والمعارضين وغيرهم. وكررت الشركة في بيان، حديثها المعتاد بأنها لا تدير البنية التحتية للمراقبة، وليست لديها علاقة بما يفعله العملاء أو من يخترقون، وأكدت أن الشركة تحقق بشكل روتيني في مزاعم الانتهاكات.

انتقادات دولية ومطالب بوقف بيع البرنامج

فيما رد المحامي عن الشركة الذي يمثل مجموعة قائلاً:” نحن نوفر منتجاً”، الزبون يقدم دلائل على أن استخدام المنتج سيكون حسب القانون في دولته. من الواضح أنه أحياناً تتم إساءة الاستخدام”، والشركة تطور منتجات يتم بيعها فقط لجهات حكومية لها صلاحيات من أجل هدف حصري متمثل في التحقيقات ومنع الجريمة والإرهاب.

لكن البرنامج التجسسي هذا يعتبر سلاحاً، وبناءاً عليه فان كل صفقة بين الشركة وبين أي دولة تستوجب إذن وزارة الدفاع ووزارة الخارجية الإسرائيلية، فيما تقع مسؤولية استخدامه على الجهة المصدرة وهوالكيان الصهيوني. 

من جانبها، دعت منظمة “مراسلون بلا حدود” المدافعة عن حرية الصحافة في بيان صادر لها الحكومة الإسرائيلية إلى فرض حظر على تصدير برنامج التجسس “بيجاسوس”، وأضاف البيان أن البرامج مثل “بيجاسوس” تشير بوضوح إلى تورط دولة إسرائيل، وأكد أنه حتى لو لم يكن للسلطات الإسرائيلية سوى دور غير مباشر فلا يمكنها التهرّب من مسؤوليتها.

فضائح جمة تورط فيها الكيان الصهيوني وتلك التي تم الكشف عنها ولم نشهد أي جهد عالمي للمحاسبة بدءاً بفيضيحة الكونترا وكذلك ما عرف بـ “إيران غايت” وآخرها تزويد الدول بهذا النظام التجسسي فهل تبقى من دون حساب.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.