صراع الإيديولوجيات في العالم الحديث.. ليبرالية، نيوليبرالية، ونشأة مفهوم الديمقراطية في الشعوب (2/3)

العميد م. ناجي ملاعب

ثانياً: النيوليبرالية – هيمنة نظام السوق وتداعياته

وُضعت أسس البرنامج النيوليبرالي في القرن التاسع عشر مع نمو النزعات “الجماعية” في النشاطات الاقتصادية، مثل: صعود الشركات الكبرى، وتنامي التدخل الحكومي في الاقتصاد، والأهم، تطور الحركة العمالية، و”التهديد” المصاحب للاشتراكية. وبينما ولد الرد النيوليبرالي قبل عمل جون ماينارد كينز (John Maynard Keynes)، لقد كان الإطار النظري لعمل كينز، بهدف خلاص الرأسمالية من خلال تدخل حكومي نشط، هو الذي عجّل في برنامج النيوليبرالية المنظم، وكان الهدف هو الحفاظ على نظام اجتماعي رأسمالي لمصالح الملّاك الكبار (عموما). وقد حقق هذا البرنامج نجاحاَ ضخماً بهذا الخصوص، بالرغم أنّ العديد من التوصيات المحددة – مثل الخصخصة، وإلغاء الضوابط التنظيمية، الخ – أثبتت كارثيتها، وفق الباحث جون هنري.

أسّس الأكاديميون النيوليبراليون مؤسسات مع رجال أعمال، وصحفيين وسياسيين. في حين أننا عموما نرى الصعود النيوليبرالي مرتبط بانتخاب مارغريت تاتشر (Margaret Thatcher) ورونالد ريغان (Ronald Reagan) كل في منصبه، لكن التنفيذ الجزئي لبرنامج النيوليبرالية بدأ مباشرة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديدا في فرنسا وألمانيا. كان التشديد بين أولئك الذين شاركوا في الاجتماعات المبكرة على تطوير ليبرالية “جديدة” (“new” liberalism). وقد تم الاعتراف (تقريبا) من قبل الجميع أنّ الليبرالية الكلاسيكية في شكلها الأصلي لم تعد تمتلك القوة النظرية والأيديولوجية. ومع ذك، فإنّ العناصر الجوهرية في الليبرالية الكلاسيكية – السوق، والملكية الخاصة، والفردانية – يجب الاحتفاظ بها.

وفي إشارة ملفتة يطلعنا الكاتب على مدى تحكم الشركات ومن خلفها آيدولوجيا إقتصاد السوق بمراكز الأبحاث والدراسات، فقد أنشأ النيوليبراليون أو استطاعوا السيطرة على مختلف “مراكز البحوث”. وكانت أول مؤسسة من هذا القبيل هي معهد الشؤون الاقتصادية (the Institute of Economic Affairs)  الذي تأسس عام 1955. وقد تبعه بعد ذلك: مركز دراسة السياسات (Centre for Policy Studies)، ومعهد آدم سميث (Adam Smith Institute)، ومؤسسة هيريتيج  (Heritage Foundation)، وغيرها وأصبح العديد من مراكز الدراسات هذه مرتبطا في شبكة الحرية (Freedom Network) ومؤسسة أطلس للدراسات (Atlas Research Foundation).  وكلاهما مؤسسات مظلة من تصميم (السير) آنتوني فيشر ((Sir) Anthony Fisher) والذي كان القوة المحركة خلف إنشاء معهد الشؤون الاقتصادية. وتوفر هذه المؤسسات مظهرا خادعا لكن مرموقا للعقلانية الفكرية، وتشتمل على منشورات داخلية يمكن من خلالها نشر البرنامج السياسي النيوليبرالي.

1 – النيوليبرالية والديمقراطية

إحدى ادعاءات النيوليبرالية أن اقتصاد السوق الحر والمنافسة هما الضمان للنظام الديمقراطي، وأن الاشتراكية ستؤدي إلى أنظمة شمولية كما حدث في الجزء الشرقي من أوروبا. وللمفارقة، فإن أول تجربة لتطبيق النيوليبرالية خارج الولايات المتحدة كانت في ظل حكم عسكري دموي في تشيلي، وخلافًا لادعاءات منظري النيولبرالية فإنها لم تسهم بلبرلة أو دمقرطة سياسية في تشيلي بل بالعكس، قد مزجت بين الحكم العسكري الدموي وأصحاب الثروات وحوّلت تشيلي إلى دولة تابعة.

ومن التأثيرات السلبية الجدية للنيوليبرالية على الديمقراطية، تقديس حكم الخبراء، وذلك بحجة أن الساسة المنتخبين ديمقراطيًا لا يمكنهم تحديد السياسات الاقتصادية، أولا لأنهم ليسوا خبراء في الاقتصاد؛ وثانيًا، تحركهم دوافع سياسية انتخابية مثل التعهدات للناخبين في الحملات الانتخابية. لذا دعا منظرو النيبوليبرالية إلى إعلاء شأن التكنوقراط وتحجيم دور السياسيين المنتخبين ديمقراطيًا. وهذا ما حصل في أكثر من دولة.

وأزمة النيوليبرالية في تشيلي ليست الأولى، فقد سبقها تدخل حكومي أميركي في ظل إدارة باراك أوباما لمنع انهيار البنوك وبورصة وول ستريت في العام 2008، فيما خسر الآلاف أو ربما عشرات الآلاف منازلهم بعد الأزمة المالية الكبيرة، وهو على عكس ما تدعو إليه النيوليبرالية بتقليص تدخل الدولة بالاقتصاد إلى حدوده الدنيا. كما لم تعزز النيوليبرالية من ديمقراطية أميركا، بل أفرزت الأزمة المالية خطابًا شعبويًا يمينيا يعادي مؤسسات الدولة الديمقراطية، وتوّج دونالد ترامب رئيسًا لأقوى دولة في العالم. ففي الواقع إذًا، لم تعزز النيوليبرالية الديمقراطية في الدول التي طبقت فيها، بل بالعكس، فقد خلقت نظام حكم التكنوقراط، أو حكم الخبراء، الذي جعل المواطن يشعر بأن لا قيمة له في تحديد توجهات الحكم بسبب هيمنة الخبراء، أي انعدام “الإرادة الشعبية”.

ولم تقتصر التأثيرات السلبية للنيوليبرالية على الداخل – داخل الدولة، بل تحولت إلى “ديانة” عالمية تتستر بنظريات “علمية” مدعومة من أصحاب ثروات ضخمة مثل فورد، الذي موّل أبحاث ونشاط منظري النيوليبرالية في جامعة شيكاغو وعلى رأسهم فريدمان. وهذا يؤكد في الحقيقة أن التسمية هي محاولة للالتفاف على الرأسمالية سيئة الصيت والسمعة بعد الحرب العالمية الثانية، و”زركشتها” بطروحات عن دمقرطة أنظمة الحكم، وتطوير آليات إدارة السوق. 

ويرى الباحث الفلسطيني رامي منصور أن “النيوليبرالية ليست فقط أنها لم تعزز الديمقراطية، بل حولت الثورة المعلوماتية التكنولوجيا إلى خط إنتاج عبودية حديثة، على شكل مصانع وورش تصنيع في الدول النامية وفي مقدمتها الصين الشيوعية، التي تحولت إلى مركز تصنيع عالمي في خدمة الشركات الغربية التكنولوجية العابرة للقارات. كما عززت من سيطرة وهيمنة شركات التكنولوجيا مثل غوغل وفيسبوك على قطاعات واسعة من الاقتصاد، مثل الميديا والإعلانات، والأخطر أنها حولتها إلى نظام مراقبة وضبط عالمي، بات كل شخص في الكون معرض للاختراق والتجسس والاعتداء على خصوصيته. وهذه كلها معادية للديمقراطية والحريات”.

 ويضيف منصور أن هذا العقد كشف أبشع ما في النيوليبرالية: حكم خبراء – تكنوقراط يقزم المواطن ويلغي عمليًا حيوية العملية الديمقراطية؛ أنظمة مراقبة متطورة واحتكار للمعلومات والميديا؛ عبودية حديثة تتجاوز الإدمان على الاستهلاك؛ حروب أهلية في الدول النامية واضطرابات سياسية كبرى.

2 – النيوليبرالية وحقوق الإنسان

في محاولةٍ لفهم أن النيوليبرالية وحقوق الإنسان متوافقتان واحدتهما مع الأخرى إلى أبعد حد، تقول الباحثة البريطانية جيسيكا وايت أنه “لا بد من تحدّي النظرة الشائعة التي تقول إن النيوليبرالية مذهب عقلاني اقتصادي محض وحيادي أخلاقيًّا… أخذتُ عنوان كتاب «أخلاقيات السوق» عن النيوليبرالي النمساوي فريدريش هايك، مؤسس «جمعية مون بيلرين» وهو الذي حاجج بأنّ نظام السوق التنافسية يتطلّب إطارًا أخلاقيًّا يكرّس تراكم الثروة واللامساواة، ويروّج للمسؤولية الفردية والعائلية، ويضمن الخضوع للنتائج الموضوعية لمسار السوق على حساب السعي المتعمّد إلى أهدافٍ محددة جماعيًّا”.

وتضيف أن النيوليبرالية مذهب أخلاقي وسياسي بذاتها وليست مجرد مذهب اقتصادي. وقد نسب الليبراليون الأوائل إلى السوق سلسلة من الفضائل المعادية للسياسة: التصدي للسلطة وتبديد قواها، تيسير التعاون المجتمعي، تسوية النزاعات سلميًّا، وتأمين الحرية الفردية والحقوق الفردية. وصوّروا المجتمع التجاري أو «المجتمع المدني» على أنه فضاء من العلاقات الطوعية تتوخّى المنفعة المتبادلة في مواجهة العنف والقسر والنزاع وهي في محاجتهم من أمراض السياسة، والسياسة الجماهيرية خصوصًا. وإذا تمكن المفكرون النيوليبراليون وناشطو حقوق الإنسان من أن يجدوا قضية مشتركة تجمعهم، كما أعتقد أن هذا هو الحال، فأبرز سبب لذلك هو أنّ نيوليبراليي القرن العشرين كانوا أقلّ انشغالاً بالنطاق الاقتصادي الضيّق مما توحي به الكتاباتُ الحالية عنهم. وإني أبيّن على امتداد الكتاب أن المفكرين النيوليبراليين يتّهمون المحاولات التي بُذلت في القرن العشرين لتأمين حقوق راسخة في الرفاه الاجتماعي وتقرير المصير الوطني بأنها تهديدات لنظام السوق ولـ«الحضارة» ذاتها. ثم أبيّن أيضًا أن النيوليبراليين قد طوّروا روايتهم الخاصة عن حقوق الإنسان على اعتبارها دعائم أخلاقية وقانونية لنظام السوق الحرة.

فقد نظر النيوليبراليون إلى حقوق الإنسان وإلى الأسواق التنافسية على أنها تتشارك في بنية واحدة. في كتابه السجالي واسع الانتشار «الطريق الى العبودية»، حاجج هايك بأن «أفكار العام 1789- العدالة، الحرية، المساواة – إن هي إلا مُثُلٌ تجارية بامتياز لا غرض لها غير تأمين بعض المنافع لأفراد». ويعتقد النيوليبراليون بأن السوق التنافسية سمحت بوجود الحقوق الفردية، لكنّ اشتغال السوق يعتمد أيضًا على حكم القانون والاعتراف بحقوق الإنسان. وحقوق الإنسان، بالنسبة للنيوليبراليين، موجودة لا لحماية الفرد وإنما للحفاظ على نظام السوق وعلى تراتب الهويات الموروثة في وجه التحدي السياسيوقد تجلّت النظرة النيوليبرالية إلى حقوق الإنسان في أنقى أشكالها فترة صعود النيوليبرالية، في إنكار مارغريت ثاتشر أنّ «خدمات الدولة حق مطلق» المتزامن مع مناصرتها «الحق في اللامساواة»، وفي دفاع رونالد ريغان عن «الكرامة الإنسانية» بما هي “المثال الذي يتوّج الحضارة الغربية”.

إن هذا التوجه جعل من منظمات المجتمع المدني “الأنجيؤوز” العاملة في مجال حقوق الإنسان منظمات متردّدة وغير مؤهلة لتحدي الآثار البنيوية والموضوعية لآليات السوق. ومع أنه يفترض بكبريات الأنجيؤوز العاملة في حقل حقوق الإنسان أن تتحاشى اللجوء إلى القسر، فقد كانت على استعداد تامّ لاستدعاء الجبروت العسكرية لأعتى الدول كي تتدخّل، باسم تأمين حقوق الإنسان، من أجل فرض أخلاقيات السوق على امتداد الكرة الأرضية.

في غياب التعاطي مع هذا النفوذ، فإن الحركات والنضالات الاجتماعية التي تستخدم لغة حقوق الإنسان من أجل مقاومة النيوليبرالية قد تجد نفسها في وضع تعزّز فيه قبضةَ النيوليبرالية بدل العكس.


Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.