صراع الإيديولوجيات في العالم الحديث.. ليبرالية، نيوليبرالية، ونشأة مفهوم الديمقراطية في الشعوب (3/3)

العميد م. ناجي ملاعب

ثالثاً: معضلة الديمقراطية في الوطن العربي

لم يتأخر تأثير النيوليبرالية السلبي بالظهور في انهيار أنظمة عالمثالثية، وتحديدًا في العالم العربي مع بداية انتفاضات الربيع العربي. فهذه الانتفاضات في جانب رئيسي منها كانت انعكاسا أو ردة فعل على “إصلاحات نيوليبرالية” قامت بها دول عربية منذ أواسط الثمانينات، لكن لم ترافقها دمقرطة حقيقية لنظام الحكم. واقتصرت الإصلاحات على خصخصة أملاك الدولة ونقلها إلى القطاع الخاص، الذي لم يكن خاصًا في الواقع، بل انتقلت الملكية لمقربين من الحكم. هذا ما حدث في مصر وسورية عشية اندلاع الانتفاضات الشعبية فيها.

فقد أصبحت هذه الدول رهينة لمؤسسات نيوليبرالية عالمية مثل البنك الدولي وصندوق النقد، وباتت تعتاش على القروض الضخمة، اليونان ولبنان ومصر مثلا، وأصبح جهاز الدولة منفوخًا وغير قادر على استيعاب الارتفاع المتزايد في البطالة. فبسبب الفساد، لم تزد الخصخصة من مدخولات الدولة، ولم تؤد إلى إصلاحات عميقة في القطاع العام، فنتج نظاما اقتصاديا مشوها وهجينا يعجز عن مواجهة الأزمات الاقتصادية وارتفاع نسب البطالة بموازاة ارتفاع نسب الشباب الخريجين من الجامعات، الذين يعجز القطاع الخاص عن استيعابهم[1].

معضلة الديمقراطية المعنية هنا تشير إلى المرحلة التي وصلت إليها الدول العربية، حيث تتزايد المطالب الشعبية بتغيير النـخب الحاكمة والتداول السلمي للسلطة والإصلاح، وتوسيع مساحة المشاركة الشعبية وغير ذلك من مفردات التحول إلى نظام ديمقراطي تعددي تلعب فيه صناديق الانتخابات الدور الرئيسي في انتقال السلطة من نخبة إلى أخرى، ومن جيل إلى آخر.

1 – الديمقراطية صورية في الوطن العربي ومتجذرة في بلدان أخرى

يتساءل الكثيرون عن سبب كون الديمقراطية صورية في عالمنا العربي، بينما حلت وانتشرت وتجذرت في بلدان أخرى كدول أوروبا الشرقية وبعض دول أفريقيا وآسيا وامريكا اللاتينية منذ الربع الأخير من القرن الماضي؟ يمكن لأي مواطن عربي لديه اهتمام وإطلاع بما يجري في عالمنا العربي أن يضع يديه على مجموعة من الأسباب والعوامل البنيوية والمعنوية لهذا الغياب، يفندها حسن العطار:  كالآتي[2]:

أولا: طبيعة الثقافة السياسية السائدة في غالبية البلدان العربية، ونعني بها مجموعة القيم السائدة التي تتعلق بالحياة السياسية والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وهي قـيم قائمة على الطاعة العمياء لأولي الأمر دون مراجعة أو نقد، وتمجيد الزعيم والقائد واعتباره زعيما تاريخيا بيده مصير الأمة وقدرها، ولا يجوز النظر إليه إلا كخيار يتحكم به القدر مجيئا وذهابا.

ثانيا: حين تشيع ثقافة سياسية تمجد الزعيم وتنزع عن الجماهير قدرتها على الفعل والعمل، يـصبح العقد الاجتماعي السائد بين الحاكم والشعب قائما على نوع من التسلط والإكراه، وهما بندان يغيب معهما أي علاقة سوية بين الحاكم والمحكوم. كما يصبح المصير كله بيد نخبة محدودة العدد ولكنها مهيمنة على مفردات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مقابل غالبية جماهيرية مغيبة ولا تأثير لها.

ثالثا: إن الحرس القديم متجذر المصالح يدرك أن ذهاب الغطاء الشمولي عنه سوف يكشف كل عوراته وموبقاته، وكل ما خلفه للوطن من تراجع وتدهور على كل الأصعدة. ومن هنا، فإن معركته الرئيسية والتاريخية هي ضد التغيير والتطوير. وحين يضطر لرفع شعارات ديمقراطية، يعرف تماما كيف يجعلها مجرد شعارات لا أكثر ولا أقل.

رابعا: ما تزال مجتمعاتنا العربية قبلية وعشائرية وطائفية، وهذا ما اظهرته الانتخابات التي جرت قبل الثورات العربية وبعدها، فالشعوب ما زالت تصوت في الانتخابات على أسس مذهبية وطائفية وقبلية وعشائرية وجهوية ومناطقية. ومعظم الأنظمة تحكم منذ عقود على الطريقة الاستعمارية الشهيرة “فرق تسد”، وكما كان الاستعمار يعزز التناقضات العرقية والطائفية والقبلية بين سكان البلدان التي كان يستعمرها كي يبقي أهلها منشغلين بخلافاتهم وصراعاتهم، حتى يسهل عليه التحكم بهم وضربهم بعضهم ببعض كلما اقتضت الحاجة فيما لو فكروا بالثورة عليه، فإن الأنظمة التي تزعم انها وطنية حكمت بعد خروج الاستعمار من بلادها بالطريقة الاستعمارية نفسها او ربما أكثر سوءا منها.

جاءت الديمقراطية في الغرب نتيجة تطور تاريخي طويل نسجته صراعات اقتصادية واجتماعية وسياسية وآيديولوجية، تعارضت فيها الطبقة الإقطاعية والملكية المطلقة من جهة، والبرجوازية ومن وراءها الشعب بأجمعه من الجهة الأخرى خلال المرحلة الأولى، ثم السلطة البرجوازية من جهة والطبقة العاملة المنظمة من الجهة الأخرى في المرحلة التالية بعد انتصار البرجوازية على الإقطاع، وحدثت هذه الصراعات في ظروف لم يكن هناك عدو خارجي في الميدان السياسي والعسكري ولا حتى في الميدان الاقتصادي.

2 – هل من  إستعصاء ديمقراطي في العالم العربي

يجيب الباحث الإردني الدكتور عارف بني حمد على التساؤل بالقول “منذ إستقلالها لم تنتقل الدول العربية، إلى نُظم حكم ديمقراطية، على الرغم من أن هناك فروقاً جوهرية بين أنظمة الحكم العربية من حيث الانفتاح السياسي ومستوى حرية التعبير وحكم القانون ونمو المجتمع السياسي والمجتمع المدني، بل أرست بدرجات متفاوته أشكالا من أنظمة حكم أقرب إلى أنظمة حكم الفرد المطلق حيث تكون إرادة الحاكم الفرد (ملكاً أو سلطاناً أو أميراً أو رئيس جمهورية ) هي مصدر السلطات[3].

ورغم وجود دساتير توضح شكل نظام الحكم والعلاقة بين السلطات الثلاث وبينها وبين المواطنين، إلا أن بعض الدول العربية نصت دساتيرها على أن يحتفظ الحاكم بالسلطة المطلقة بشكل صريح، أو أنه بالممارسة العملية يتحايل على المواد الدستورية، سواء احتاج ذلك منه إلى تعديل الدستور وتزوير إرادة المواطنين، تتيح للحاكم الفرد أن يحتفظ بالسلطة والثروة والنفوذ ويوزعها كيفما شاء، طالما يتمتع بالحماية الخارجية .

ويضيف بني حمد “أما الدول العربية الأخرى التي تنص دساتيرها على أن الشعب مصدر السلطات فإن معظمها تقوم بتعطيل ذلك المبدأ بقوانين الطوارئ والأحكام العرفية. كما أنها تتحايل على مبدأ الشعب مصدر السلطات، بتوفير شكل الممارسة الديمقراطية دون الالتزام بموضوعها، عن طريق تسخير السلطة التشريعية والقضائية إلى جانب السلطة التنفيذية والإدارة العامة وأجهزة الأمن، لإرادة الحاكم الفرد المطلق” .

ويذكر أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت شفيق الغبرا عدة أسباب لانعدام الديمقراطية في العالم العربي. منها وجود تناقض حاد بين التغيّرات الواقعة بين الشباب العربي في معرفة حقوقه ومتطلباته، خاصة مطلب الحياة الكريمة، وبين بنية النظام العربي، الذي يعاني من التكلس والهشاشة، بشكل يجعله عاجزاً عن التفاعل الإيجابي مع هذا الجيل.

ويشير الغبرا إلى أن النظام العربي الحالي لا يحمل جواباً لتحديات العصر، وأن ما قامت به بعض الأنظمة من “تحديث الديكتاتورية، أي تحديث الشكل السلطوي للبنية” لم يؤد إلا إلى مزيد من المشكلات العميقة. وينفي الغبرا ما رددته بعض الأوساط من كون التطرّف الإسلامي هو سبب رئيسي لغياب الديمقراطية في المنطقة، مشيراً إلى أن أصل المشكلة هو غياب خطط حقيقية للتنمية، فضلاً عن غياب ثقافة المساءلة الحقيقية للنخب الحاكمة أمام الشعب، الذي من المفروض أن يعبّر عن نفسه داخل أحزاب فاعلة سياسياً.

ومن الأسباب الأخرى، يزيد الغبرا في حديث مع DW عربية، هو وجود ثروة نفطية هائلة في بعض الدول العربية، إذ كان تأثير هذه الثروة سلبياً على طبيعة الأنظمة العربية، فقد قوّت النظام الحاكم على حساب التطوّر الطبيعي للمجتمع المدني. وهناك كذلك سبب آخر متعلق بالصراع العربي- الإسرائيلي، فالمواجهات المتعددة التي دارت بين الطرفين عسكرت العقلية العربية وأبعدتها عن الرؤى الديمقراطية[4].

ويرفض الأستاذ بجامعة الكويت، شفيق الغبرا، الحديث عن نظرية فشل الربيع العربي، ويقول إن ما جرى عام 2011 أعطى إشارات عديدة، منها أن الشعوب العربية واعية بضرورة أن تحيا بكرامة مثل الشعوب الأخرى، ومنها أن المنطقة تزخر بتيارات تتقاسم ضرورة التحديث، حتى منها الإسلامية، التي تأكدت أن لا خيار لها سوى الانخراط في المشروع الديمقراطي. كما وجَّه الربيعُ العربي رسائل إلى الدول العربية بضرورة البدء الفعلي لمشروع الإصلاح الذي وعدت به منذ مدة. لكن ما جرى أن الأنظمة لم تستوعب هذه الإشارات، ما أدى إلى وقوع ثورات مضادة أحرقت الكثير وساهمت في تدمير الكثير من المكتسبات، خاصة العودة إلى غياب مظاهر التعبير السياسي، يقول الغبرا، ويتوقع أن يؤدي هذا الواقع مستقبلاً إلى انفجار أكبر، أي أن الربيع العربي قد يعود، لكن بشكل أكثر عنفاً وأكثر جماهيرية وأكثر ثورية، وهو ما يستدعي من النخب الحاكمة، إن أرادت تفادي هذا السيناريو أن تبحث عن طريق جديد قوامه الديمقراطية، فـ”الشعوب تغيّرت، وعلى التغيير أن يمسّ كذلك النخب الحاكمة”.[5]

3 – أين الديمقراطية من الفساد الذي أصبح نظاماً متكاملاً 

في دراسة نشرتها مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في 6 حزيران/يونيو 2014 بعنوان: الفساد- الخطر غير المدرك على الأمن الدولي، خلاصة تفيد أن “الفساد في عدد غير قليل من البلدان في أنحاء العالم كافة، هو النظام بحد ذاته. فقد تم تغيير أغراض الحكومات لخدمة هدف ليس له علاقة تذكر بالإدارة العامة: الثراء الشخصي للشبكات الحاكمة، وهي تحقّق هذا الهدف بشكل فعّال تماماً. وقد يكون عجز القدرات وأوجه القصور الأخرى جزءاً من الطريقة التي يعمل بها النظام، بدل أن تكون مؤشّراً على انهياره”.

تكشف دراسة المؤشّرات الشهيرة التي تقتفي أثر الفساد من جهة والعنف أو عدم الاستقرار من جهة أخرى عن تطابق واضح. فالبلدان التي تتميّز بالفساد الشديد تعاني أيضاً من الصراع أو فشل الدولة. ويثير هذا الفساد المنظّم سخط السكان، ما يجعله عاملاً مؤثّراً في إثارة الاضطرابات الاجتماعية والتمرّد. وقد لا يؤجّج الفساد هذه التهديدات فقط، بل يتواكب مع عوامل خطر أخرى، مثل الخلافات العرقية أو الدينية أو اللغوية لدى قطاع معيّن من السكان أو التفاوت الاقتصادي الحادّ، لزيادة احتمال حدوث تحدّيات أمنية.

ونقرأ في الدراسة أنه “عادة ما يغلّب صنّاع القرار في الغرب الاعتبارات الأخرى، مثل الضرورات الأمنية المباشرة أو القيمة الاقتصادية أو الاستراتيجية، للحفاظ على العلاقات مع حكومة معينة، أو مواصلة تحصيل الاستثمار، ويقدّمونها على المخاوف من الفساد. ونتيجة لذلك، فإن المؤسسات والأفراد في الغرب غالباً ما يمكّنون الحكومات الفاسدة، ما يؤدّي إلى تفاقم التهديدات الأمنية وتكبّد مخاطر جديّة على السمعة في بعض الأحيان”.

الى جانب ما أوضحت الدراسة من تداعيات الفساد على الدولة وعلى الأمن الدولي، يستنتج الباحث رامي منصور أن ما أغفلته الدراسة من الأهمية للباحثين ولأبناء تلك الدول المصنفة فاسدة أنه عندما يتم تبديد البترول عماد الثروة الوطنية العراقية على أحزاب وميليشيات، وعندما يتم ضخّ أموال عامة في البنوك الخاصة للحفاظ على رأس المال الاحتياطي في بلد ما، على سبيل المثال، قد يكون نهب النخب الكليبتوقراطية – وهو مصطلح لنمط الحكومة الذي يراكم الثروة الشخصية والسلطة السياسية للمسؤولين الحكوميين والقلة الحاكمة، وذلك على حساب الجماعة، كما عرّفته الدراسة – لتلك البنوك غير مرئي بالنسبة إلى المراقبين الخارجيين، في دول كثيرة، ويتساءل: ألا تمر تلك الإيداعات عبر مصارف الدول الكبرى؟ وحيث يتم تجميل ترتيبات الدفع (دفع الأموال مقابل الحصول على الخدمات) على أنها استثمارات أجنبية مباشرة في الصناعات المحلية، أليست الإستثمارات الأجنبية المستفيد الأول من تلك العمليات؟ وعندما يتم تمكين تنظيمات الأمر الواقع في أماكن سيطرتها من بيع البترول كما تفعله تنظيمات متشددة في سوريا والعراق، ألا يحصل ذلك عن طريق دول مستقرة متحايلة على القوانين الدولية في ظل سكوت الدول العظمى؟

ويضيف ان “استنتاجات دراسة مركز كارنيغي للبحوث قيّمة ومنهجية ومرجعية ولكنها نبهت الدول الغنية الى مخاطر استمثاراتها في الدول الفاشلة والفاسدة دون ان تتطرق الى دور أصحاب الرساميل ودولهم العظمى في غض النظر أو تسهيل الفساد المنظم لربط المفاصل الإقتصادية الهامة بما فيها الثروات الوطنية للشعوب المحكومة من جماعات تنعم بضمانة البقاء في الحكم بفضل مصالح الدول العظمى. هناك فساد وهناك مفسدون ويكفي ان ننظر الى مزاريب هذه الآفة واين تصب وكي لا يفهم استنتاجنا بأننا نتهم فلنبحث عن “الصدفة” التي أرست أرقى معايير الرقابة والمحاسبة في الدول الغربية واستفادت من ضعف ووفشل الدول الأخرى التي تخترن موارد الطاقة المعدنية والبترولية والبشرية.”[6]

 أن التطورات اللاحقة تُظهر كيف أن هذه التحركات عجزت عن تفكيك الاستقطاب المتجذر والمعطّل الذي يشلّ الدول العربية – استقطاب أدّى إلى أزمة سياسية وطرق مسدودة وصراعات باردة ودموية إضافةً إلى حروب أهلية طويلة. 

ثمة مثل عربي قديم يقول: أنا ضد أخي. وأنا وأخي ضد ابن عمي. وأنا وأخي وابن عمي ضد الغريب. في حين يشير هذا المثل إلى القدرة على التوحّد ضد عدو أو تهديد متوقّع، إلا أنه يحمل في طياته استقطابًا ظرفيًا وثقافيًا واجتماعيًا ودينيًا راسخًا لا يمكن إخفاؤه، وهو استقطاب يهدّد بروز وتطوّر عقود اجتماعية عملياتية أساسية في معظم دول العالم العربي.

وفي حين أن الاستقطاب القاتل لا يؤثر في هذه المنطقة فحسب ولا تقتصر جذوره تاريخيًا على العالم العربي دون غيره، إلا أن العجز عن التغلب عليه لصالح إجماع معلل وعقود اجتماعية يُبقي هذه المنطقة من بين أكثر أنحاء العالم تضررًا بالصراعات.

يُعتبر لبنان مثالًا آخر في هذا الصدد؛ فالجمود السياسي الذي تشهده البلاد في الآونة الأخيرة ليس الأول وحتمًا لن يكون الأخير في سلسلة طويلة من الانقسامات السياسية والاجتماعية. وفي ظل وجود 18 طائفة معترف بها رسميًا، فإن لبنان هو أكثر مجتمعات العالم العربي تعددًا من حيث الإثنيات والأديان. ونظرًا إلى هذا المستوى من التنوع المحلي، اختار الإطار الطائفي لتشارك السلطة وضمان الاستقرار وإلى حدّ ما التمثيل السياسي على مستوى الجماعات الطائفية. وفي حين ضمن هذا الترتيب إرساء استقراراً نسبياً، لم يحل دون تعطّل المؤسسات أو الفراغ السياسي أو التوترات الطائفية. وبالفعل، يبدو أن إطار الترتيب الطائفي ساهم في ترسيخ الهويات الطائفية وحصر السلطة بأوساط النخب التقليدية وعزّز الزبائنية على أسس دينية ومذهبية. وفي نهاية المطاف، أدى الترتيب الذي صُمّم أساسًا لدعم التعايش والتعددية إلى تأجيج الاستقطاب وزيادة التكاليف المرتفعة المترتبة على مؤسسات الدولة غير الفعالة وهدر الطاقة والمياه والأزمات السياسية المتكررة، وهي عوامل تلحق الضرر بالتنمية الاقتصادية في البلاد.[7]

في الخلاصة، لقد طوّر الغرب مفاهيم كثيرة وتوصّل عبر المثابرة والجهد القويم الى اعتماد النظام الذي نفتقده نحن في هذا الشرق. ومن المفكرين من يتهم كل ما هو غربي بعدم امكانة تطبيقه في مجتمعاتنا، ولكن، وبغية عدم تقليد الغرب، ولأجل السير على طريق الإبتكار ينبغي – كما جزم عبد الوهاب المؤدب[8] – تحويل اشتقاق كلمة “بدعة” الى إبداع. فأحد المفاهيم التقليدية للبدعة، الذي كثيراً ما يتردد على كل لسان، أن المتهم به يلحقه العار والإدانة والهامشية والحرمان وحتى التكفير، وذلك بأن نعطي الكلمة الميِّزة الإيجابية التي تبرز ما يصدم العادة ويفزع الحكم المسبق ويقوّض الأفكار القارّة كما يرجُّ القوالب ويشارك في ما يسميه نيتشه “إبدال القيم” كشرط أولي للإنتماء الى روح الحداثة، فهل نستحق عندها ابتكار النظام الذي يحافظ على قيمنا المشرقية، طالما أن النيوليبرالية التي يتفاخر بها الغرب في مأزق.


[1]  منصور، مرجع سابق

[2]  حسن العطار، موقع إيلاف الإلكتروني بتاريخ 4 /6/ 2020 على الرابط https://elaph.com/Web/opinion/2020/07/1297716.html

[3]  عارف بني حمد، “الإستعصاء الديمقراطي في العالم العربي”، موقع طلبة نيوز، نشر بتاريخ20/06/2021

[4] إسماعيل عزام، العالم العربي يتخلّف في مؤشر الديمقراطية مجدداً.. ما هي الأسباب؟، موقعDW عربية، نشر بتاريخ 10/1 / 2019 على الرابط https://p.dw.com/p/3BJUN

[5]  عزام، مرجع سابق

[6]  منصور، مرجع سابق

[7]  كاتيا برادة، نوح الهرموزي، الاستقطاب والبحث الواهي عن الازدهار في العالم العربي، موقع “فكرة” مترجم عن موقع “معهد واشنطن” بتاريخ 9/6/ 2021 على الرابط  https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/alastqtab-walbhth-alwahy-n-alazdhar-fy-alalm-alrby

[8]  عبد الوهاب المؤدب،”اوهام الإسلام السياسي”، la Maladie de l,Islam نقله الى العربية محمد بنيس والمؤلف، دار النهار، 2002

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.