صراع الإيديولوجيات في العالم الحديث.. ليبرالية، نيوليبرالية، ونشأة مفهوم الديمقراطية في الشعوب (1/3)

العميد م. ناجي ملاعب

تميزت الليبرالية السياسية بالإهتمام الشديد بمناقشة موضوع السلطة السياسية، سواء كانت سلطة الدولة أو الحكومة أو سلطة المجتمع أو سلطة الرأي العام. كذلك عرفت بمقولتها: إن العقل البشري قادر وحده على تحديد شكل الحياة الأفضل للإنسان، فهي تؤكد التسامح الديني والأخلاقي وسعة الأفق ورحابة الصدر في تقبل الرأي الآخر.. وهكذا تلتقي مع الديمقراطية على صعيد واحد، مع فارق أساسي هو ان الأولى طريقة في التفكير والثانية نظام سياسي من أنظمة الحكم

في مقابل طوفان ما تضخّه المؤسسات المالية والتنموية من نظريات ومفاهيم ذات مرجع مشترك هو النيوليبرالية، وفي زمنٍ يُراد فيه إقناعنا بنهاية زمن الأيديولوجيات، تبدو النيوليبرالية أيديولوجيا متكاملة تشتمل على نظرة شاملة للحياة والكون وتقدّم نفسَها على أنها “مذهب طبيعي جبري لا بديل عنه”، حسب عبارة مارغريت ثاتشر الشهيرة، بل هي عقيدة إيمانية لا تخلو من السحر إذ تبشّر بـ«اليد الخفية» التي تحرّك السوق.

منذ نهاية الحرب الباردة والنيوليبرالية هي الوجه الاقتصادي لنظام العولمة، وليس أبلغ تعبيرًا عن التلازم بين مذهب اقتصادي يُملي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تطبيقاته وقوة الولايات المتحدة العسكرية، من عبارات الصحافي توماس فريدمان: «إنّ اليد الخفية للسوق تحتاج إلى القبضة الحديدية للبنتاغون الأميركي و“همبرغر” ماكدونالد ليس بديلاً من منتجات “ماك دوغال”»، أكبر مصانع الأسلحة الأميركية.

لقد أوصلت هذه الآيديولوجيا عالمنا الى مأزق كبير في مجالات البيئة والإقتصاد والإجتماع. يصف إدواردو غاليانو في “إطلالة على الغسق في نهاية القرن” بتناغمٍ نادرٍ بين الدقة التوثيقية والخيال الأدبي الرفيع، فيقول: إنّ الأرض التي تدفننا أو تردعنا مسمومة. لا يوجد هواء، ليس هناك إلا اليأس. لا يوجد نسيم، ليس هناك إلا الروائح النتنة.لا مطر سوى المطر الحمضي. لا يوجد حدائق، هناك مرائب فقط. ليس هناك شركاء، لا يوجد إلا شراكات. هناك شركات بدلاً من الأوطان.

وتطرح سوزان جورج، عالمة اجتماع أميركية، مجموعة من الأسئلة، فتقول: لماذا نشأت النيوليبرالية من معزلها الأقلوي جدًّا لتصير العقيدة الطاغية في عالم اليوم؟ لماذا يستطيع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي التدخّل كيفما شاءا لإجبار البلدان على المساهمة في الاقتصاد العالمي في شروط غير مناسبة؟ لماذا دولة الرعاية مهدّدة في جميع البلدان التي طُبّقت فيها؟ ولماذا تقف البيئة على حافة الانهيار؟ ولماذا يوجد هذا العدد من الفقراء، في البلدان الغنية كما الفقيرة، في وقت لم توجد فيه ثروات ضخمة أبدًا كمثل الثروات الموجودة الآن.

في هذا البحث حول أنظمة الحكم في العالم، سنحاول الإجابة على تلك الأسئلة في سرد أكاديمي لمفهوم الليبرالية كفكر، وهل جسدت الديمقراطية كنظام حكم ذاك المفهوم، ونلقي الضوء على النظام البرلماني وحسن تطبيقه – في ألمانيا كمثال، ونتوسع في مأزق النيوليبرالية مع النظام الديمقراطي وحقوق الإنسان وتداعيات تطبيق هذه الإيديولوجيا على البيئة ما قد يجر كوكب الأرض الى الكارثة المحتومة. وننهي بالتعريج الى نظرة بعض الباحثين حول معضلة الديمقراطية في الوطن العربي.

أولاً: تطور مفهوم الليبرالية والحكم الديمقراطي

1 – تعريف الليبرالية
الليبرالية هي طريقة في التفكير تدور حول الإنسان والسياسة أو حول الإقتصاد. والليبرالية الإقتصادية ترتبط بالمدرسة الطبيعية “الفزيقراط” التي تؤكد أن النظام الطبيعي الذي يتحقق بمبادرات الفرد التي تحدث التوازن بين الأسعار والإنتاج… وكان شعار هذه المدرسة “دعه يعمل دعه يمر” عند كل من آدم سميث ومالتوس وريكاردو. أما الليبرالية السياسية فهي تلتقي مع الإقتصاديين في الإهتمام بالفرد وحريته في آن معا وإن كان ذلك على مستوى سياسي هذه المرة. 

والليبرالية على هذا النحو من انتاج القرنين الثامن والتاسع عشر في أوروبا، وإن كانت جذورها تمتد الى جون لوك في القرن السابع عشر، بل إن بعض المؤرخين يعود بها الى اليونان، فيتحدثون عن ليبرالية “قديمة” كما هي الحال عند بروتا جوراس أو ديقربطس أو غيرهما .. وذهبت الليبرالية السياسية “المحُدثة” – وفق كتاب جون مل (المرجع رقم8) – الى أن “السياسة صنعة أو فن وضعه الإنسان، والحكومة ليست أمرا طبيعيا وإن كانت أمرا ضروريا. أما الطبيعي فهو الحرية الإنسانية، فلا هي مكتسبة ولا هي منحة من أحد، والبشر متساوون جميعاً، وبالتالي فلا فئات ولا درجات من الموجودات البشرية يمكن ان تدّعي لنفسها الحق في أن تحكم على نحو طبيعي أو على نحو يفوق الطبيعة”..

ونبّه جون ستيورت مل في كتابه الى مشكلة “طغيان الأكثرية” وسيطرة الرأي العام وضرورة التعرف الى الحدود التي تقف عندها سلطة المجتمع حتى لا تمس الحرية الفردية. وانتهى الى هذا التعريف الذي يقول فيه: الغاية الوحيدة التي تسوّغ للناس أفرادا أو جماعات، التدخل في حرية الفعل لأي عضو في المجتمع هي حماية انفسهم منه، ومعنى ذلك أن الغرض الوحيد الذي تستخدم فيه السلطة بطريقة مشروعة ضد الفرد هو منعه من الإضرار بالآخرين أو إيذاء غيره.

2 – تعريف الديمقراطية:
تتكون كلمة ديمقراطية من مقطعين مستمدين من اللغة اليونانية: Demos بمعنى الشعب، Cratos بمعنى حكم أو سلطة، أي ان الكلمة تعني حكم الشعب أو سلطة الشعب.

تعني الديمقراطية مساهمة أكبر عدد من المواطنين في ممارسة السلطة. وإذ تقوم الديمقراطية على ركنين أساسيين هما الحرية والمساواة فإن مفهومهما ليس واحداً، حيث تميل بعض النظم الديمقراطية الى اعطاء الأولوية للحرية، بينما تضع نظم اخرى المساواة في المقام الأول. ومن هنا ظهر مفهومان للديمقراطية: المفهوم الليبرالي التقليدي والمفهوم الماركسي الإجتماعي… وهناك عدة صور للديمقراطية هي: الديمقراطية المباشرة والديمقراطية النيابية والديمقراطية شبه المباشرة والديمقراطية شبه النيابية.

يقول فرنسيس فوكوياما: “في البداية، لم تكن الليبرالية تشتمل بالضرورة على الديمقراطية. فالليبراليون الذين أيدوا التسوية الدستورية لعام1689 كانوا من أغنى أصحاب ا?م?ك في إنجلترا، وكان برلمان تلك الفترة يمثل أقل من 10 في المائة من مجمل السكان. وكان العديد من الليبراليين الك?سيكيين بمن فيهم ميل، من أكثر المتشككين في قيمة الديمقراطية: فقد كانوا يعتقدون أن المشاركة السياسية المسؤولة تقتضي التعليم وامت?ك حصة في المجتمع – أي ملكية العقارات. وحتى نهاية القرن التاسع عشر، كان الحق في ا?نتخاب يرتبط بمتطلبات خاصة بالملكية والتعليم في جميع أنحاء أوروبا تقريبا. وبالتالي، مثّل انتخاب أندرو جاكسون كرئيس للو?يات المتحدة في عام 1828 وقراره ال?حق بإلغاء حيازة ا?م?ك كشرط للحصول على الحق في ا?قتراع، على ا?قل بالنسبة للذكور البيض، انتصارا مبكرا ومهما لشكل أكثر تماسكا من المبادئ الديمقراطية”.

أ – الديمقراطية الليبرالية
الديمقراطية الغربية الليبرالية: هي صورة من صور الديمقراطية التي تضع الحرية في المقام الأول. وفي هذا المفهوم تعني حكومة الشعب توفير الحرية للشعب، لكل فرد من أفراده لتنمية نفسه، إن الحرية هي التي تسمح لكل الآمال أن تتحقق بما في ذلك الأمل في المساواة. وفي ظل الديمقراطية الليبرالية تتمتع الحرية بحماية على مستويين: على مستوى نشاط الحكومة وعلى مستوى علاقة الحكام بالمحكومين.

فعلى مستوى النشاط الحكومي والبرلماني تقبل الديمقراطية الليبرالية أن تؤدي الحرية الى اختلاف الآراء فيما يتعلق بالمسائل العامة. ويؤدي هذا الى وجود أغلبية وأقلية. واذا كانت الأغلبية تتولى الحكم اليوم فإنها لا تعدم الأقلية، وإنما تعطي لها فرصة البقاء وفرصة أن تتولى الحكم اذا تمتعت بالأغلبية في المستقبل. ومعنى ذلك أن الأغلبية تحترم رأي الأقلية المعارضة وتمكنها من ممارسة كل حقوقها السياسية مثل الحصانة البرلمانية وحق التعبير عن رأيها والإشتراك في اللجان البرلمانية. بل أن النظام الإنكليزي القائم على نظام الحزبين السياسين، يشرك المعارضة في القرارات المصيرية المتعلقة بالدولة.

ب – الديمقراطية الماركسية أو الإجتماعية
منذ أثّر الفكر الماركسي في النظم السياسية ظهر مفهوم آخر للديمقراطية هو الديمقراطية الإجتماعية. هذه الديمقراطية التي تنبأ بها جان جاك روسّو ثم طورها كارل ماركس وتلاميذه توصف من قبل لبعض بالديمقراطية المستبدة أو التحكمية La democratie autoritaire وتوصف من البعض الآخر بالديمقراطية الإجتماعية أو الشعبية.

وهذا البحث لن يتطرق الى هذا المفهوم وسيكتفي بالمفهوم الأول نظرا لأفول مجالات تطبيق الديمقراطية الماركسية بأنفراط عقد دول الإتحاد السوفييتي واقتصار اعتماده في القليل من دول العالم اليوم.

3 – النظام البرلماني: Le Regime parlementaire
يقوم النظام البرلماني على أساس الفصل المرن بين السلطات مع وجود تعاون وتوازن بن السلطتين التشريعية والتنفيذية. ويوجد بالنظام البرلماني رئيس دولة والى جانبه رئيس للوزارة، رئيس الدولة يسود ولا يحكم أما رئيس الوزارة فيتولى مسؤولية الحكم، ويتولى البرلمان عادة من مجلسين. وتتميز العلاقة بين السلطتين بالتعاون والرقابة المتبادلة مما يجعل النظام متسما بالتوازن. ويبدو التعاون في امكان مساهمة السلطة التنفيذية في عملية التشريع؛ إذ بينما يحظر على الرئيس الأميركي اقتراح القوانين، يجوز للحكومة في ظل النظام البرلماني أن تقدم مشروعات قوانين للبرلمان، بل أكثر من 90% من التشريعات في النظم البرلمانية ذات أصل حكومي. أما الرقابة المتبادلة فتظهر في حق الحكومة في حل البرلمان، وبإمكان مساءلة الحكومة أمام البرلمان عن طريق السؤال والإستجواب وطرح الثقة بالحكومة وسحب الثقة منها.

ويشرح الدكتور سعاد الشرقاوي كيفية تحقيق التوازن ما بين السلطتين – تحت عنوان “خصائص النظام البرلماني” بقوله:

أ – مسؤولية الوزارة: تُسأل الوزارة أمام البرلمان مسؤولية جماعية تضامنية ومسؤولية فردية، وتعتبر المسؤولية التضامنية عن السياسة العامة للحكومة هي أهم ما يميز النظام البرلماني.

ب – التوازن النظري بين السلطات: وهذا التوازن هو نتيجة المساواة بين السلطتين، كما انه نتيجة لتبادل المعلومات والتعاون وتبادل الرقابة والتأثير. فالسلطة التنفيذية لا تتدخل في اختيار أعضاء البرلمان أو في تنظيمه الداخلي ولكن للسلطة التنفيذية حق دعوة البرلمان للإنعقاد وحق فض دورات انعقاده. ومن ناحية أخرى، للبرلمان حق مساءلة الحكومة عن طريق الأسئلة والإستجوابات وطرح الثقة بالحكومة وسحب الثقة منها. وفي مقابل ذلك لرئيس الوزراء او لرئيس الدولة حسب الأحوال حق حل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة.

4 – النظام السياسي في ألمانيا – نموذجاً
جمهورية ألمانيا الاتحادية هي جمهورية فيدرالية ذات نظام ديمقراطي ضامن للحريات. لكن ما يتضمنه دستورها اليوم تطلب جهداً كبيراً في الماضي لانتزاعه.

الدستور في ألمانيا، أو ما يسمى بالقانون الأساسي، يحمي حريات الفرد ويضمن كرامته ويؤكد على معاملة جميع المواطنين بمساواة أمام القانون، بغض النظر عن العرق أو الأصل أو اللغة أو الديانة. علاوة على ذلك، يُخضع الدستور نفوذ الدولة لسيطرة مُحكمة من خلال مبدأ تقاسم السلطات.

من خلال القانون الأساسي، استقت ألمانيا دروسها من كارثة “الرايخ الثالث”، وهي فترة دكتاتورية الحزب القومي الاشتراكي بزعامة أدولف هتلر بين عامي 1933 و1945. خلال تلك الفترة، قُتل الملايين من البشر جراء الحرب العالمية الثانية التي أشعلتها ألمانيا.

بعد عام 1945 قامت في ألمانيا – أو على الأقل في جزئها الغربي – ديمقراطية جديدة.. لكن منذ عام 1990، تم توحيد شطري ألمانيا وإنشاء الجمهورية الاتحادية. وتم تحويل الدستور الانتقالي إلى دستور شامل لكل أنحاء ألمانيا، وعليه بُني النظام الديمقراطي الضامن للحريات في البلاد.

تم إنشاء دولة فيدرالية ذات ثلاثة مستويات: الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات تتشاطر النفوذ السياسي. وفيما تترك الولايات للحكومة الفيدرالية صلاحيات مركزية، إلا أنها تساهم في صياغة القوانين. لكن في أوجه أخرى، تقوم الولايات بصياغة قوانينها بمفردها. أما المستوى الثالث والأدنى فهو البلديات. كما تم إقامة عدد من الحواجز في وجه التيارات المتطرفة والمناوئة للديمقراطية، إذ يتيح مبدأ “تحصين الديمقراطية” فرض حظر على الأحزاب المناوئة للدستور. فعلى سبيل المثال، تم حظر “حزب الرايخ الاشتراكي” النازي عام 1952، فيما حُظر الحزب الشيوعي في ألمانيا عام 1956. إضافة إلى ذلك، لا يمكن لأي حزب أن يدخل البرلمان (البوندستاغ)، حتى يتجاوز حاجز الخمسة في المائة من نسبة أصوات الناخبين. تم إقرار هذه القاعدة من أجل منح الاستقرار للبرلمان.

تم تعيين حارس لمبادئ تقاسم السلطات والحقوق الأساسية والديمقراطية، ألا وهو المحكمة الدستورية الاتحادية. تختص هذه المحكمة في النظر بمدى توافق القوانين مع دستور البلاد، وهي بذلك تساعد أي مواطن في الدفاع عن حقوقه وحرياته في وجه الدولة. لفترة طويلة من الزمن ظلت المحكمة الدستورية الاتحادية في ألمانيا أمراً فريداً من نوعه قلّده العديد من الدول حول العالم. أحد أمثلة ذلك هي إسبانيا، التي يتضمن دستورها الحالي إقامة محكمة دستورية.

من أهم ما أدخل على الدستور اللبناني من تعديلات وفق وثيقة الطائف هو إنشاء محكمة دستورية القوانين تحت مسمّى “المجلس الدستوري” ولكن جرى تقليص صلاحياته وحصر مهامه بالنظر في الطعون النيابية وما قد يحال إليه من رئاسة الجمهورية أو من النواب ولكن بطريقة معقدة – حتى في تدخل السلطتين التنفيية والتشريعية في تعيين أعضائه – لا تفي بالغرض الذي أنشئ من أجله.

https://anbaaonline.com/news/140860

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.