أسلحة فرط صوتيّة تقلق أميركا لكنها لن تحدث فرقاً في حرب تستنزف روسيا

رياض قهوجي  

استخدمت روسيا قبل أيام صاروخ كينزال الفرط صوتي في ضرب ما وصفته بمخزن للأسلحة تحت الأرض في أوكرانيا. وكان هذا أول استخدام لأسلحة فرط صوتية في الحرب منذ دخولها الخدمة في روسيا والصين قبل خمس سنوات. وبالرغم من أن روسيا كانت قادرة على قصف مخزن الأسلحة الأوكراني مستخدمة ترسانتها الكبيرة من الصواريخ البالستية والجوالة، إلا أنها آثرت استخدام سلاح فرط صوتي لتذكر الغرب عامةً، وأميركا تحديداً، بأنها تملك ما يستطيع اختراق أي دفاعات جوية يمكن أن تقدم لأوكرانيا، وحتى الدفاعات الصاروخية داخل أميركا ذاتها. والصواريخ فرط صوتية يمكن أن تحمل رؤوساً تقليدية وغير تقليدية (نووية أو كيميائية أو بيولوجية). وهي عبارة عن مركبات انزلاقية تطلق نحو الفضاء الخارجي على متن صواريخ بالستية، لتقوم بعدها بالتحليق نزولاً نحو هدفها بسرعة تفوق خمسة أضعاف سرعة الصوت مع قدرة على المناورة لتفادي الصواريخ المضادة. وهناك صواريخ جوالة فرط صوتية تعمل بقوة محركات صاروخية مثل صاروخ زيركون الروسي المضاد للسفن. 

أهمية الأسلحة فرط صوتية هي بسرعتها في الوصول لأهداف بعيدة جداً. ففيما تستطيع صواريخ صينية فرط صوتية مثل دي اف-17 أو دي اف-21 إصابة أهداف تبعد عنها 1700 كلم بفترة 20 دقيقة، يحتاج صاروخ توماهوك الجوال الأميركي الشهير ما يقارب لثلاث ساعات لقطع المسافة نفسها. سرعة هذه الصواريخ تجعل نافذة رصد واعتراض الصاروخ ضيقة جداً مقارنة بالصواريخ الجوالة والبالستية التقليدية. وبالرغم من أن الصواريخ البالستية العابرة للقارات تصل سرعة هبوطها نحو هدفها الى ما يقارب 15 مرة سرعة الصوت، إلا أن تحليقها خارج الغلاف الجوي أبطأ بأربع مرات من المركبات الانزلاقية الفرط صوتية. هذه السرعة مع القدرة على المناورة ستجعل منظومات الدفاع الصاروخي الحالية وعلى أنواعها عاجزة عن التصدي لها. 

أميركا متأخرة عن الصين وروسيا في تصنيع الأسلحة فرط صوتية. فهي حتى الآن لم تنه تجاربها على تطوير صواريخ كهذه – بالستية وجوالة – وبالتالي خططها القديمة لإدخال هذه الأسلحة الخدمة هذا العام لا يبدو حتى هذه اللحظة أنها ستنجح، ما يبقيها في موقع متأخر عن منافستيها. فهي لا تستطيع أن تعترض صواريخ فرط صوتية صينية أو روسية يمكنها أن تصل الى أهداف أميركية في دقائق. هذا سيعطي أفضلية لخصميها حتى في حرب تُستخدم فيها رؤوس تقليدية. فعلى سبيل المثال، إذا ما وجدت أميركا نفسها في مواجهة مع الصين في جنوب – شرق آسيا أو جنوب المحيط الهادئ، فالأخيرة يمكنها أن تقصف بصواريخ فرط صوتية مجموعة أهداف أميركية فجأةً وسريعاً لن تتمكن أميركا من اعتراضها، وردها عليها سيأتي بعد ساعات لا دقائق. والدفاعات الجوية المتقدمة التي منحتها أميركا لتايوان ستكون عاجزة وغير فعالة أمام الصواريخ الفرط صوتية الصينية التي تستطيع أن توجه ضربة مفاجئة ومزلزلة للبنية التحتية العسكرية وأجهزة الرادار ومراكز القيادة والسيطرة على الجزيرة. وبالتالي، فإن الصين حالياً تملك القدرة على المبادرة والتحرك بفعالية ضد تايوان نتيجة تفوقها في مجال الأسلحة الفرط صوتية.

وستشكل حرب أوكرانيا عامل ضغط كبير على الإدارة الأميركية لتزيد من حجم استثماراتها في البحث والتطوير لامتلاك صواريخ فرط صوتية ومنظومات مضادة لها. وربما تكون أسلحة الطاقة – أو الليزر – الخيار الأمثل للتعامل مع هذه الأسلحة، خاصة مع التقدم السريع الذي تحدثه منظومات الليزر في مجال الدفاع الجوي. وتعتبر أميركا أكثر الدول تقدماً في تطوير منظومات الليزر، وهي بدأت إدخال منظومات ليزر مضادة للطائرات المسيرة والقذائف الصاروخية. وزودت بعض المدمرات الأميركية بهذه المنظومات، بالإضافة الى بعض الآليات المصفحة. إلا أن مدى هذه الأسلحة لا يزال قصيراً. 

لكن أهم دروس حرب أوكرانيا هو أن امتلاك أسلحة فرط صوتية وصواريخ بالستية وجوالة لا يكفي لكسب الحرب. فلا يزال دور الجيوش، وخاصة ألوية المشاة القتالية، أساسياً في السيطرة على أرض الخصم. وإذا ما امتلك الخصم قدرات قتالية متقدمة وإرادة قوية للمقاومة، فإن الحرب قد تطول ولن يكون حسمها سهلاً، ما سيجعل الحل العسكري مكلفاً جداً أو بعيد المنال. وتشهد الساحة الأوكرانية معارك يومية على جبهات عدة، تستخدم المجموعات المحاربة تكتيكات قتالية تقليدية في الهجوم والدفاع. فالقوات الأوكرانية لا تزال تظهر القدرة على شن هجمات مضادة وتحرير أراض من قبضة المهاجمين الروس. كما أن طائراتها الحربية لا تزال قادرة على شن غارات، وإن محدودة، على المواقع الروسية. وعليه، فإن الساحة الأوكرانية تشهد حرباً كلاسيكية بكل معنى الكلمة بين جيشين نظاميين، وفي الوقت نفسه تقوم مجموعات من المقاومة الأوكرانية بشن ضربات سريعة ونصب كمائن على شاكلة حرب عصابات لاستنزاف الجيش الروسي. 

يبدو أن الدعم العسكري المتواصل من الغرب لأوكرانيا سيمكّنها من الصمود لفترة طويلة، ما سيضع موسكو أمام خيارات صعبة. فالحرب والعقوبات تستنزفها اقتصادياً وبشرياً وعسكرياً استنزافاً كبيراً جداً. وما حديث مسؤوليها المتكرر عن أسلحة نووية وبيولوجية سوى محاولة لرفع منسوب الردع والتهديد لإجبار الغرب على التوقف عن مساعدة أوكرانيا في حرب فاقت كلفتها توقعاتهم. هذا في وقت بدأ بعض الخبراء في الغرب بالتحذير من مغبة ومخاطر حشر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الزاوية. فهو قد يقدم على استخدام أسلحة غير تقليدية، مثل الكيماوية، لضرب دفاعات الأوكرانيين وتحطيم معنوياتهم. استخدام أسلحة غير تقليدية قد يؤدي لتصعيد عسكري من جانب الغرب قد يكون في شكل وحجم الدعم لأوكرانيا ليشمل طائرات حربية وصواريخ ذكية وبعيدة المدى، وربما نقل تكنولوجيا تصنيع أسلحة كيميائية. 

وعليه، فإنه حتى اللحظة لا تزال الحرب لغة الخطاب السياسي بين الطرفين وتعلو فوق الحوار. فإلى حين اقتناع الطرفين بأن الحرب لن تؤدي الى الأهداف المنشودة، وبأن الحل هو عبر تقديم تنازلات متبادلة وصولاً لحل سلمي، ستشهد الساحة الأوكرانية المزيد من المعارك والقتل والدمار واستعراض أنواع مختلفة وجديدة من الأسلحة الروسية والأميركية والأوروبية.    

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.