الهجوم الرّوسي على أوكرانيا يتحوّل حرب إرادات دمويّة تنتظر استراتيجيّة خروج

رياض قهوجي  

تتسارع التطورات على الساحة الأوكرانية التي تشهد عملية غزو روسية لا يبدو أنها تسير بنجاح حتى الآن، رغم أن الحرب قد تكون في بداية مستجدة لها لم تكن ضمن حسابات الرئيس فلاديمير بوتين.

وتشهد روسيا ضغوطاً اقتصادية لم تعرفها في تاريخها، وستظهر تداعياتها تباعاً على الشعب والمؤسسات كافة. كما أن الحرب أحدثت صحوة هوية لأوروبا البيضاء المسيحية الليبرالية الديموقراطية، دفعت فيها هذه الدول، حتى الحيادية منها مثل سويسرا والسويد، لأخذ موقف داعم لأوكرانيا ضد المارد الروسي الذي يحاول إعادة إحياء أمجاد الاتحاد السوفياتي أو الإمبراطورية الروسية.

وكلما طال أمد الحرب ازدادت تداعياتها على الشعبين الروسي والأوكراني، وسائر العالم. ومن يسأل إن كانت الحرب العالمية الثالثة قد بدأت، قالجواب نعم، لكن بأشكال مختلفة وليس بالوتيرة القصوى التي يمكن أن تصل إليها إن لم تقم الأطراف المعنية بحسابات الربح والخسارة بطريقة دقيقة وخالية من العواطف. 

الهجوم الروسي بدأ سريعاً وعلى شكل حرب خاطفة. إلا أن قِدَم الجزء الأكبر من الآلة العسكرية الروسية واهتراءها ظهرا بوضوح على أرض المعركة بعد ثلاثة أيام من انطلاقها. فلقد شهد العالم طوابير طويلة من العربات المصفحة وناقلات الجنود والدبابات والمدرعات. إلا أن ما يجهله معظم الناس أن معظم هذه الآليات تعود الى حقبة الاتحاد السوفياتي الذي انهار قبل 32 عاماً. وكانت معظم هذه الآليات تندلع فيها النيران بشدة وسهولة فور إصابتها بأي من الصواريخ المضادة للمدرعات العادية أو الموجهة منها. فتصفيح معظمها قديم وليس بمستوى المدرعات الغربية الحديثة المعدة لمقاومة التفجيرات والألغام. كما ظهر سوء إدارة لآلية المد اللوجستي، إذ تعطل العديد من الآليات نتيجة نفاد الوقود. كما أن عملية الإمداد بالغذاء للمقاتلين كانت سيئة بحسب المراقبين الميدانيين. 

لم يظهر سلاح الجو الروسي الكفاءة العالية المتوقعة من جيش لقوة عظمى. فالتنسيق الجوي – البري المشترك في العمل الميداني لم يظهر جلياً كما هو متوقع في الحرب الخاطفة. والقوات الجوية لم تستطع بعد أكثر من أسبوع على بدء الحرب تدمير القوات الجوية والدفاعات الجوية كافة لأوكرانيا، إذ لا تزال الطائرات الأوكرانية، الحربية والمسيّرة منها، قادرة على شن ضربات ضد القوات الروسية. كما أن الدفاعات الجوية لا تزال تشكل تهديداً للطائرات الروسية. وبالتالي، ورغم التفوق الجوي الروسي الذي يهيمن على أجواء أوكرانيا، إلا أنه لا يسيطر تماماً على هذه الأجواء، ولم يستطع تحييد الدفاعات الجوية الأوكرانية كافة. ومن الأهداف المهمة التي فشل سلاح الجو الروسي في تحقيقها تدمير مراكز القيادة والسيطرة الأوكرانية التي لا تزال معظم قطاعاتها قادرة على التواصل والتنسيق في ما بينها. 

يبدو أن القيادة الأوكرانية كانت مستعدة جيداً لهذه الحرب والسيناريوات التي يمكن أن تقدم عليها روسيا. فالجيش الأوكراني لم يدفع بدباباته ومدرعاته لمواجهة مباشرة مع جحافل القوات الروسية التي تفوقه عدداً بأضعاف. فلقد حيّد فرقه المدرعة ودفع بقواته الخاصة مدعومة بقوات المشاة المسلحة بصواريخ متنوعة مضادة للدروع، تتضمن جافلين الأميركي وإنلو البريطاني وصواريخ ستينغر المضادة للطائرات لمواجهة الروس في مجموعات تقاتل بأسلوب حرب العصابات. فهي تترك الجيش الروسي يتقدم الى مشارف المدن حيث تفاجئه بكمائن محكمة.

وعلى رغم أن القوات الروسية دخلت فعلاً الى بعض المدن، إلا أنها لم تستطيع إحكام السيطرة عليها واحتلالها بسبب هذه الكمائن، وأيضاً بسبب افتقارها إلى العدد الكافي من الجنود. فعدد القوات الروسية التي دخلت أوكرانيا لا يتجاوز مئتي ألف جندي، فيما تقديرات الخبراء أن احتلال دولة بحجم أوكرانيا التي تزيد مساحتها عن 600 ألف كلم مربع وبعدد سكانها الواحد وأربعين مليوناً، يحتاج لما لا يقل عن 700 ألف جندي. حتى ولو كان هدف بوتين احتلال النصف الشرقي من أوكرانيا فقط، فهو بحاجة لضعف ما زجّ به من قوات حتى الآن.

أخطر ما واجهه الروس حتى الآن والذي لا يبدو أنه كان ضمن حسابات بوتين وجنرالاته، هو قوة إرادة الأوكرانيين على الصمود والقتال. فآخر ما يريده أي قائد في الحرب هو أن تكون لدى خصمه معنويات عالية وإرادة قوية للقتال. ولقد أحسن الرئيس الأوكراني استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام، ليس فقط لرص صفوف الأوكرانيين ودفعهم للمقاومة، بل أيضاً للتأثير في الرأي العام في الغرب، إذ أدى الضغط الشعبي على القادة الأوروبيين الى إرغامهم على التخلي عن ترددهم بتقديم الدعم العسكري لأوكرانيا وفرض عقوبات اقتصادية مؤلمة على روسيا. حتى أن الرأي العام الأوروبي بدأ ينظر الى الحرب على أنها أكبر من مجرد اجتياح روسي لأوكرانيا، بل بداية غزو روسي لأوروبا. وهذا وحّد حلف الناتو توحيداً غير مسبوق، ودفع بأعضائه الى حشد قوات على طول الحدود الروسية، وإلى زيادة موازناتهم العسكرية. 

لم يفلح إعلان بوتين وضع قوات الردع الاستراتيجي النووية في حالة تأهب قصوى بثني أميركا وأوروبا عن فرض عقوبات موجعة بلغت حد إغلاق الممرات الجوية أمام الطائرات الروسية. كما لم تمنع تهديدات بوتين لحلف الناتو وتحذيره من نشر المزيد من القوات على الحدود الروسية. ولم ترغم عمليته العسكرية الحكومة الأوكرانية على الاستسلام أو القبول بشروطه. ولم يعد أفق هذه الحرب واضحاً مع استمرار المقاومة في أوكرانيا وتصاعد خطوات عزل روسيا دولياً على الصعيدين السياسي والاقتصادي. 

يبدو أن روسيا تعدّل الآن في شكل عملياتها العسكرية. فهي تحاول حالياً السيطرة على الطرق لتأمين الدعم اللوجستي لقواتها التي ستعمد الى محاصرة مدن أوكرانيا الرئيسية في الشرق والجنوب، بالإضافة الى العاصمة كييف. وستتحول من حرب خاطفة الى حرب كسر إرادة الأوكرانيين عبر قصف مركز وعنيف على العاصمة والمدن بهدف إخضاعها الواحدة تلو الأخرى.

أما القوات الأوكرانية فستستخدم الأسلحة النوعية التي يوفرها الغرب لشن حرب استنزاف مكلفة في صفوف وحدات الجيش الروسي بهدف ضرب معنوياته. وسيشاهد العالم حرب الإرادات هذه يومياً على وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، ما سيشوّه من صورة روسيا أكثر ويهدد مكانتها العالمية وهيبتها كقوة عظمى. فهي لا تواجه مقاتلين مسلمين عرباً في حلب أو إدلب، بل مقاتلين مسيحيين من الإثنية الأوروبية البيضاء، وبالتالي رد فعل الغرب وحتى المواطنين الروس، سيكون مختلفاً وليس لمصلحة بوتين.

إلا أن القيادات الغربية حذرة من حشر بوتين في زاوية لا يستطيع الخروج منها، ما قد يضطره للإقدام على عمل متهور. فهي اكتفت بتقديم أسلحة محددة لأوكرانيا، ولم تذهب الى حد تزويدها بطائرات حربية هجومية أو إرسال جنود. كما لم توافق على طلب فرض منطقة حظر جوي فوق أراضي أوكرانيا، ما قد يضع طائرات حلف الناتو بمواجهة مباشرة مع المقاتلات الروسية. ولم يوافق الغرب على فرض حظر على تعاملات “سويفت” على كل المصارف الروسية، بل على ربعها فقط لتجنب خنق روسيا اقتصادياً بالكامل، ما ستعتبره موسكو إعلان حرب عليها. 

ستتركز الجهود الدبلوماسية للمسؤولين الغربيين وحتى الوسطاء الدوليين على إيجاد استراتيجية خروج مقبولة لبوتين، تحفظ له ماء الوجه. فالثمن السياسي للفشل العسكري سيطيح بوتين من الرئاسة. فهو اليوم بلا شك يخشى من التداعيات الداخلية على حكمه، بخاصة مع فرض عقوبات على كبار أثرياء روسيا النافذين سياسياً، والذين يستطيعون التأثير في آلية صنع القرار والاستقرار الداخلي. كما أن التحركات المناهضة للحرب ستزداد يومياً مع ارتفاع عدد القتلى الروس في الحرب وتردي الأوضاع المعيشية نتيجة العقوبات. وعليه، فإن القيادة الروسية في سباق مع الوقت، وتواجه حرباً شبه عالمية اقتصادية عليها. لكن الى متى تستطيع الصمود، وما هو السيناريو الذي سترضى به كمدخل لخروجها من هذه الحرب؟ قد لا ينتظر العالم طويلاً لمعرفة الجواب، نظراً الى صعوبة الوضع بالنسبة الى روسيا كما الى أوكرانيا.   

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.