مؤسسة الجيش اللبناني ضامنة الحياد وآخر أمل للوطن

رياض قهوجي

يجد الجيش اللبناني نفسه كل فترة في مواجهة أحداث ناتجة من فساد السلطة الحاكمة وسياساتها الفاشلة التي أوصلت البلد الى حال يرثى لها. وآخر هذه الأحداث كان غرق المركب الذي كان ينقل عشرات المواطنين الفارين من الفقر والمعاناة في عاصمة الشمال طرابلس. وكالعادة جل ما كان يقوم به الجيش اللبناني هو تنفيذ واجبه.
 فهو المؤسسة اللبنانية التي يقسم فيها ضباطها على حماية لبنان، ويحمل شعارها “شرف، تضحية وفاء” معانيَ عديدة أهمها الوفاء، والتي تعود للحفاظ على العهد للوطن فقط من دون غيره. ففي صلب شعار الجيش وقسمه التعهد بالحياد التام والوفاء للوطن فقط – داخل لبنان أو خارجه. لكن تعزيز الحياد وتقوية مؤسسة الجيش بحاجة الى متطلبات أساسية، أهمها هدم الحواجز الطائفية والمذهبية بين شباب الوطن وتحويله الى مؤسسة منتجة ومسيطرة على مواردها التي تمنحها حرية القرار في التسلح والتجهيز.
يشهد شباب لبنان حالة تشرذم كبيرة نتيجة التجاذبات الطائفية والمذهبية، وتعمد الأحزاب المهيمنة على الساحة الى تجييش المشاعر الطائفية لتعزيز سيطرتها. فهناك فقدان للهوية اللبنانية لدى الجزء الأكبر من الشباب الذي ينظر الى نفسه كإبن المذهب والطائفة أولاً ويأتي شعوره بالانتماء الى الوطن في المرتبة الأخيرة. فمعظم الشباب لا يشعرون بالانتماء الى وطن لا يعتقدون أنه قدّم لهم أي شيء. وبالتالي يسيرون خلف زعماء المنطقة والطائفة والحزب. ولإنهاء هذه الحالة يجب توحيد ثقافة الشباب وتعزيز الروح الوطنية لديهم وتمتين العلاقات في ما بينهم على أسس تخدم الدولة. أفضل مؤسسة لتحقيق ذلك هي الجيش اللبناني عبر إعادة إحياء الخدمة الإلزامية التي ألغتها أحزاب السلطة قبل سنوات من دون مبرر بعدما لاحظت تأثيرها في ولاء الشباب لها.
كل الدول التي تلتزم سياسة الحياد تفرض على شبابها الخدمة العسكرية الإلزامية لفترة لا تقل عن السنة وذلك لتحقيق مجموعة أهداف أهمها: – تعزيز روابط الوحدة الوطنية بين الشباب الصاعد لمنع أي تأثيرات خارجية في هويته وانتمائه الوطني. وفي حالة لبنان فهي ستخفف من تأثير الأحزاب والمناخ الطائفي والمذهبي وتمنح الشباب إطاراً فكرياً للتعامل معها بعد انتهاء فترة الخدمة. – إنشاء علاقات بين الشباب من كل أرجاء الوطن وإيجاد روح رفقة السلاح بينهم التي نادراً ما تموت وتتجلى أوقات المحن وعلى أرض المعركة. – توفير تدريب عسكري متنوع يجعل من هذه المجموعات قوات احتياط يستدعيها الجيش عند مواجهة أي تهديدات. فقوى الاحتياط تمنح الجيش مخزوناً بشرياً من دون أي أعباء مالية. – يوفر عناصر الخدمة الإلزامية قوة بشرية بتكلفة متدنية يستفيد منها الجيش كما الدولة للمساعدة في تنفيذ مهمات متنوعة. – وجود قوة احتياط تستدعى بشكل دوري الى دورات عسكرية سريعة تذكيرية – مثلاً، لمدة أسبوعين كل عام – يزيد من عامل الردع للدولة حيث سيعتبر الاحتياط فاعلاً وضمن القوة البشرية العسكرية للدولة من قبل الخصوم. 
ولتعزيز مبدأ حياد الجيش وعناصره يجب تحويل مؤسسة الجيش الى مؤسسة منتجة ومستقلة في قرار التسلح والتجهيز ومصادره الخاصة بها، وهذا يتطلب أن ترصد الحكومة موازنة دفاع تتضمن مبالغ لبرامج تسلح ولشراء قطع الغيار وغيرها من التجهيزات. ويأتي ذلك في سياق خطط تسلح خمسية تضعها المؤسسة لتحقيق أهداف سياسة الدفاع. ويجب أن تلحظ الخطط إعطاء أولوية لإنشاء بنية تحتية لصناعات دفاعية محلية تشمل أموراً أساسية مثل تصنيع الملابس والخوذ والجزم العسكرية وبعض الذخائر الأساسية وتصفيح الآليات وتصنيع الطائرات المسيرة ومنظومات وبرامج الكترونية لدعم الحرب السيبرانية. وتوجد في لبنان طاقات بشرية كفوءة ومهمة تستطيع أن تساهم في مشاريع طموحة وأساسية كهذه. 
يجب إصدار مراسيم تمكن مؤسسة الجيش من المساهمة والدخول كشريك مع مستثمرين في إنشاء مصانع دفاعية في الدولة. هذا سيحول المؤسسة العسكرية الى مؤسسة منتجة تستطيع أن تقلل من الأعباء المالية على خزينة الدولة. فالجيش المصري يشكل أنجح حالة في العالم لمؤسسة عسكرية منتجة تنافس القطاع الخاص في تنفيذ مشاريع بناء على مستوى الدولة بالاضافة الى امتلاك مصانع في مجالات عدة تؤمن مدخولاً واستقلالية تامة في القرار للقيادة العسكرية، بخاصة في تحديد مصادر السلاح. فمصر اليوم تشتري أسلحة من مصادر متعددة، كما تصدر أسلحة الى دول في أفريقيا. 
عندما يمتلك الجيش اللبناني حرية القرار في تحديد مصادر مشترياته لا يعود حينها مضطراً للاتكال على مساعدات عسكرية خارجية. فاليوم يعتمد الجيش بنسبة مئة في المئة على المساعدات الخارجية في توفير السلاح والذخائر وقطع الغيار وحتى مواده الغذائية نتيجة انهيار الدولة وإفلاس الخزينة. حتى عندما كان لبنان في وضع اقتصادي جيد في السنين الماضية كان هناك تجاهل كبير من الحكومة لحاجات الجيش، وهي مسؤولية يتحملها الجميع ومن كل الأحزاب السياسية والطوائف. ومن ينادون بسياسة الدفاع اليوم هم أنفسهم من كانوا يمتنعون عن رصد موازنة لتسليح الجيش تحت حجج مختلفة لا تفسير لها سوى محاولة إبقاء هذه المؤسسة في عجز وتبعية لأحزاب السلطة.
ومن شروط حياد الجيش أيضاً عدم دخول لبنان في أي معاهدات دفاع مشتركة وإلغاء أي من هذه المعاهدات الموجودة حالياً. فلا يمكن أن يكون لبنان محايداً وهو ملزم عبر هذه التعاهدات في التورط عسكرياً في حروب الآخرين. لكن هذا لا يمنع من وجود برامج تعاون للجيش مع جيوش عدة في المنطقة وحول العالم لأهداف عسكرية محض تهدف لتبادل الخبرات وتحديث معلومات الضباط والجنود عن أحدث التكنولوجيا والتكتيكات العسكرية. فبرامج التعاون لا تلزم الجيش أو الدولة قانونياً بأي شيء للطرف الآخر خلال أوقات الحروب. مؤسسة الجيش اللبناني هي اليوم آخر ما تبقى للبنان من مؤسساته الوطنية التي لا تزال تحظى بثقة الشريحة الكبرى من الشعب اللبناني والمجتمع الدولي ولا تزال تعمل بفعالية كبيرة رغم إفلاس الدولة. وعبر القسم والشعار الملتزمة بهما تنفذ هذه المؤسسة روحية الحياد المنشود للبنان. وهي تناور اليوم بين ألغام الانقسامات ومطامع الأحزاب الطائفية والتهديدات الخارجية لتحافظ على نفسها وعلى قدرتها في تنفيذ مهامها التي لا تنتهي. فيجب دعمها وإعطاؤها ما تحتاجه لتستمر وتساهم بإخراج لبنان من محنته الكبيرة حالياً.  

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.