تعتمد المملكة العربية السعودية على منظومة دفاع جوي متطورة ومتعددة الطبقات لاعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة، في إطار ما يُوصف أحياناً بـ”الدرع السماوي” الذي تتجاوز تكلفته 80 مليار دولار. وتستند هذه المنظومة إلى شبكة متكاملة من الأنظمة الغربية والآسيوية المتقدمة، تموَّل من خلال ميزانية دفاعية ضخمة تقارب 78 مليار دولار سنوياً، وهي من بين الأكبر عالمياً. ويذهب جزء كبير من هذه الميزانية إلى تعزيز قدرات قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي، بهدف بناء مظلة دفاعية قادرة على مواجهة التهديدات الجوية المعقدة، خصوصاً الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.
وتدير قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي نظام دفاع جوي متكامل متعدد الطبقات (IADS)، يدمج بين مراكز القيادة والسيطرة، ورادارات الإنذار المبكر، ومنصات الاعتراض مثل أنظمة الدفاع الجوي الأرضية، إضافة إلى عدد من الوسائط الجوية المختلفة.
وأصبحت حماية المراكز الحيوية والاقتصادية، مثل منشآت أرامكو والعاصمة الرياض، أولوية قصوى. وفي هذا السياق، حظي نظام القيادة والسيطرة والاتصالات والحواسيب والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع (C4ISR) باهتمام كبير من خلال التقنيات الدفاعية الأمريكية، ولا سيما عبر شبكة “درع السلام Peace Shield” التي طورتها الولايات المتحدة.
ومن بين هذه الأنظمة نظام “ثاد THAAD” (الدفاع الجوي على ارتفاعات شاهقة) الذي تنتجه شركة لوكهيد مارتن، والذي استخدمته السعودية في يوليو 2025. ويعد هذا النظام، الذي أثبت فعاليته في القتال، شديد الكفاءة في مواجهة تهديدات الصواريخ قصيرة ومتوسطة ومتوسطة-بعيدة المدى. كما أصبح صاروخ PAC-3 MSE الاعتراضي الخيار الأساسي في منظومة الاعتراض، وهو النظام الذي استخدمه الجيش الأمريكي في إسرائيل لتعزيز الدفاعات الجوية ضد الصواريخ الإيرانية خلال عامي 2024 و2025.
وخلال معرض الدفاع العالمي في فبراير 2024، أعلنت شركة لوكهيد مارتن منح عقدين فرعيين رئيسيين للصناعة السعودية لتصنيع حاوية الصواريخ ومنصة تحميل صواريخ THAAD، لتصبح السعودية أول دولة خارج الولايات المتحدة تنتج مكونات هذا النظام.
وبحلول ذلك الوقت، كانت الرياض قد طلبت منذ عام 2017 ما مجموعه 44 منصة إطلاق THAAD و360 صاروخاً اعتراضياً، ضمن صفقات تُقدّر قيمتها بنحو 15 مليار دولار. ومن المقرر الانتهاء من أربعة مواقع من أصل سبعة لهذا النظام بحلول نهاية عام 2026، على أن يكتمل العمل في جميع المواقع بحلول عام 2028.
كما تبدي السعودية اهتماماً بالحصول على المقاتلة الشبح إف-35 من لوكهيد مارتن، والتي يمكن أن تعمل بالتكامل مع صواريخ PAC-3 ضمن منظومة الدفاع الجوي المتكاملة للمملكة. وفي نوفمبر من العام الماضي، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه مستعد لبيع ما يصل إلى 48 طائرة F-35A للسعودية، غير أن أي تفاصيل إضافية لم تُكشف علناً منذ ذلك الحين.
وخلال إحاطة إعلامية في باريس، أوضحت شركة لوكهيد مارتن كيف يمكن لطائرة إف-35، بصفتها مستشعراً متقدماً مرتفع الارتفاع، أن ترصد التهديدات وتنقل بيانات التتبع إلى نظام IBCS لإدارة معارك الدفاع الجوي والصاروخي المتكاملة، والذي يتولى بدوره توجيه إطلاق صواريخ PAC-3 لاعتراض الأهداف.
وإلى جانب منظومة ثاد، تعتمد المملكة أيضاً على أنظمة “باتريوت Patriot” التي تنتجها شركة “رايثيون Raytheon”، والتي تشغلها الولايات المتحدة واليونان في إطار مهمة دفاعية مشتركة. وقد بدأت المهمة اليونانية في السعودية عام 2021، ويُعتقد أنها مُددت لمدة عام إضافي حتى عام 2026.
ومع ذلك، تسعى الرياض إلى تنويع مصادر أنظمة الدفاع الجوي لديها لتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة. ففي نوفمبر 2023، أبرمت السعودية صفقة بقيمة 3.2 مليار دولار مع كوريا الجنوبية لشراء 10 أنظمة KM-SAM Block II (المعروفة أيضاً باسم Cheongung-II) للدفاع الجوي متوسط المدى. وفي الوقت نفسه، تمتلك السعودية أيضًا النظام الروسي Pantsir-S1M التي تعد منصة متعددة المهام تجمع بين صواريخ أرض-جو ومدفعية مضادة للطائرات للمديات القصيرة إلى المتوسطة.
كما تستخدم المملكة منظومة “الصياد الصامت Silent Hunter” الصينية المضادة للطائرات المسيّرة، والتي تعتمد على تقنية الليزر، إضافة إلى نظام الرادار المتطور Orion-H9 من سنغافورة، القادر على كشف وتتبع عدة أهداف على مسافات بعيدة.
وفي المستقبل، ستشكل الطائرات القتالية التعاونية غير المأهولة (CCA) جزءاً من منظومة الدفاع. فقد صرح رئيس شركة “أنظمة جنرال أتوميكس للملاحة الجوية General Atomics Aeronautical Systems”، ديفيد ألكسندر، خلال معرض دبي للطيران في نوفمبر الماضي، بأن الشركة قد توقع قريباً صفقة تصدير ضخمة مع السعودية تشمل ما يصل إلى 200 طائرة CCA و130 طائرة MQ-9. ويمكن لهذه الطائرات اكتشاف الصواريخ والطائرات المسيّرة، ويجري تطويرها لتدميرها ضمن نظام دفاعي شبكي ذاتي التشغيل.
وقد أظهرت اختبارات بارزة مؤخراً أن الطائرات القتالية التعاونية قادرة على الاشتباك مع التهديدات الجوية بشكل مستقل. ولا يزال من غير الواضح نوع الطائرات المأهولة التي ستعمل معها هذه المنظومات، إلا أن التفاؤل الذي أبداه ألكسندر يشير إلى أن المشروع لا يعتمد بالضرورة على إتمام صفقة مقاتلات إف-35.
