أميركا أمام مشكلة حماية قواعدها حول العالم، وتقرير مصير قواعدها بالشرق الأوسط
كتب رياض قهوجي في “النهار”:
تقوم وزارة الحرب الأميركية بمراجعة شكل انتشار قواتها حول العالم، وتحديداً في الشرق الأوسط، وذلك في ضوء نتائج الهجمات الإيرانية الكثيفة بالصواريخ الباليستية والجوالة والمسيرات.
فبالرغم من وجود منظومات الدفاع الجوي متعددة الطبقات في هذه القواعد، فإنها لم تتمكن من صدّ جميع الصواريخ والمسيرات. فما لا يقلّ عن عشرة في المئة مما كان يطلق في كل هجوم مركّب، احتوى أعداداً من الصواريخ وأسراب المسيرات، اخترق الدفاعات ودمّر أهدافاً متنوعة على الأرض تراوحت بين طائرات ومنصات رادار ومنشآت.
وحسب تصريح لمسؤول رفيع من البنتاغون لموقع “بريكينغ ديفنس” الدفاعي في واشنطن، فإن معظم القواعد الأميركية في الخليج، ومنها القاعدة البحرية في المنامة، وقاعدة العديد في قطر، قد أصيبت بأضرار جسيمة، وباتت بحاجة إلى إصلاحات كبيرة وإعادة ترميم.
إنما القيادة الأميركية تعيد تقييم واقع جميع قواعدها في الخارج نتيجة انتشار المسيرات الهجومية الشخصية الصغيرة، خاصة تلك التي يمكن إطلاقها من مسافات قصيرة وبأسراب كبيرة. وكانت حالة الذعر واضحة بردة فعل البنتاغون على التهديد الأخير للقاعدة الجوية في بريطانيا، التي كانت القاذفات الاستراتيجية الأميركية متمركزة فيها؛ فلم يعرف حتى الآن طبيعة الهجوم الذي كان يحضر للقاعدة لكون نتائج التحقيقات مع الأشخاص من أصول إيرانية، والذين ألقي القبض عليهم قرب القاعدة، لم تعلن بعد. وقامت واشنطن بسحب جميع طائراتها من القاعدة تحسباً لأي هجوم ضد قاذفاتها الاستراتيجية.
فهذه المسيرات الصغيرة المزوّدة برؤوس متفجرة، يمكن توجيهها من قبل أشخاص أو برمجتها لتقوم باستهداف الطائرات وهي في حظائرها أو متوقفة داخل القاعدة الجوية. وهذا تماماً ما قامت به القوات الخاصة الأوكرانية في حزيران/ يونيو 2025 عندما استخدمت 117 مسيرة صغيرة مخبأة داخل كبائن محملة على شاحنات لمهاجمة ثلاث قواعد جوية على مسافة تزيد عن أربعة آلاف كيلومتر داخل الأراضي الروسية. أسفر الهجوم عن تدمير ما لا يقل عن عشر قاذفات استراتيجية وطائرة إنذار مبكر روسية بشكل كامل وتضرّر عشر أخرى. طبعاً، أميركا تخشى من سيناريو كهذا في حربها الحالية ما إيران، وفي حروبها المستقبلية.
ومع انتشار المسيرات بأحجامها وأشكالها حول العالم، بالإضافة إلى اتجاه العديد من الدول اليوم لامتلاك وربما تصنيع الصواريخ الباليستية والجوالة، تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة لمراجعة إجراءات حماية قواعدها؛ فهي تملك أكثر من 750 قاعدة عسكرية منتشرة في ثمانين دولة حول العالم؛ ويتراوح حجم هذه القواعد بين نقاط تجمع ودعم لوجستي لقواعد جوية وبحرية وبرية. وسيتوجب تقييم وضع كل واحدة حسب مكان تواجدها وطبيعة التهديد المحتمل لها. وهي سحبت قواتها أخيراً من قواعدها في العراق.
ومن الاقتراحات التي تدرسها القيادة الأميركية إمكانية إنشاء قواعد تحت الأرض أو في أنفاق داخل الجبال، خاصة في المناطق التي تحتوي على تهديد من خصم يمتلك أعداداً كبيرة من الصواريخ الباليستية والمسيرات. فالطريقة الوحيدة لحماية الطائرات والمنظومات الحساسة من هجمات بأعداد كبيرة من المسيرات المبرمجة، والتي تحتوي على ذكاء اصطناعي أو بأعداد كبيرة من الصواريخ الباليستية الفرط صوتية، ستكون بوضعها تحت الأرض.
ومن غير المستبعد أن تلجأ العديد من الدول حول العالم، خاصة الموجودة في مناطق النزاع، إلى القيام بذلك. جزء كبير من قدرات تايوان العسكرية موجودة في قواعد داخل أنفاق في جبال الجزيرة. فتايوان تدرك أن منظومات الدفاع الجوي لديها لن تستطيع صدّ الهجمات الكثيفة المتوقعة من الصين التي تمتلك كميات كبيرة من الصواريخ والمسيرات على أنواعها.
لقد باتت الحاجة ملحّة لدى القوى الكبرى، وعلى رأسها أميركا، لإيجاد حلّ جذري للتعامل مع تهديد هجمات أسراب المسيرات والرشقات الصاروخية (الباليستية) الكثيفة. وقد يكون الحلّ بتطوير قدرات أسلحة الليزر، بحيث تكون قادرة على توفير دفاع ناجح بنسبة 99 في المئة. ويساعد الذكاء الاصطناعي اليوم في تسريع عملية تحديث أسلحة الليزر، لكن هذا سيأخذ بضع سنوات. حتى حينه، أميركا أمام مشكلة حماية قواعدها حول العالم، وتقرير مصير قواعدها في الشرق الأوسط.
