العميد ناجي ملاعب*
خاض حزب الله والذي يعرّف نفسه بـ”المقاومة الإسلامية في لبنان” جولتي قتال، بعد أحداث غزة، الأولى تحت مسمى “أولي البأس” والتي تسببت باجتياح الجيش الاسرائيلي الجنوب اللبناني في 17 أيلول 2024 في عملية استمرت لست وستين يوما وانتهت بتفاهم على وقف الاعمال العدائية بإشراف آلية قيادية برئاسة ضابط أميركي، لتطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 على كامل التراب اللبناني. والثانية وأسماها “العصف المأكول” وخاضتها قواته في 2 آذار مارس 2026 دعما للجمهورية الإسلامية في إيران ولم تنته بعد رغم اعلان واشنطن عن هدنة لا يبدو أنها تشمل جبهة الجنوب التي لا تزال مشتعلة.
في مقاربة ميدانية لجولتي القتال أعلاه، سنلقي النظرة على الاستراتيجية القتالية التي استخدمها الحزب، وأنواع وتطور الأسلحة في المرحلتين.
أولاً – استراتيجية وصواريخ معركة أولي البأس
شكّلت “معركة أُولي البأس” مناسبة مهمةً في تاريخ الصراع العسكري مع اسرائيل، كونها أكّدت حصول تحول نوعي في مستوى القوة النارية لدى حزب الله – وفق رؤية إعلام المقاومة – فخلال هذه المعركة، عرض الإعلام الحربي التابع للحزب مشاهد مصوّرة لإطلاق أنواع جديدة من الصواريخ حملت أسماء رمزية مثل “فادي”، و”ملاك”، و”جهاد”، و”نصر”، و”قادر”، بالإضافة الى صواريخ الكاتيوشا، السوفييتية بنسختها إلإيرانية، ولا تتعدى مسافتها 12 إلى 24 ميلاً ويتم إطلاقها بشكل متتابع. وجلّ تلك المقذوفات كانت من تصنيع وتطوير خبراء ومهندسي المقاومة. كما استخدم صاروخ فاتح 110 الإيراني الصنع لأول مرة خلال هذه المعركة، الى صاروخ سكود D المطوّر.
وهذه بعض أهم الصواريخ التي استخدمت خلال معركة أولي البأس:
1 – صاروخ فادي: وظهرت أجيال متعددة منه (فادي-1، و2 و3 و4 و5 و6) وهو من عائلة المدفعية الصاروخية، ويتراوح مداها بين 80 كم الى 225 كم.
2 – صاروخ نصر: ويُصنّف كصاروخ أرض-أرض تكتيكي قصير المدى (من 100 كم الى 140 كلم) ويعمل بالوقود الصلب المركب، وقد كشف عن نسختين منه هما نصر – 1 ونصر – 2.
3 – صاروخ قادر 1 و2: ويتراوح مداهما بين 190 و250 كيلومترًا. وهما من الصواريخ التي استخدمتهما المقاومة في استهداف عمق الأراضي الاسرائيلية، بما في ذلك مناطق الساحل الأوسط مثل نتانيا وهرتسيليا وحتى أطراف تل أبيب.
4 – صاروخ ملاك 1: وتم الإعلان الرسمي عن استخدامه في 07 تشرين الأول/أكتوبر 2024. وهو نسخة مطوّرة عن صاروخ غراد 122 ملم. ويتجاوز مداه الـ 25 كم.
5 – صواريخ جهاد 1 و2: من الأسلحة الميدانية التي استُخدمت بكثافة في بداية الحرب وهي محمولة على راجمات خفيفة وقابلة للإخفاء، ويمكن إطلاقها خلال دقائق، ما يمنح مستخدميها ميزة “الضرب والانسحاب” ويصل مداهما الى 20 كم.
6 – صاروخ فاتح 110: ويعتبر جوهرة الترسانة الصاروخية للمقاومة الإسلامية، كونه من أكثر الصواريخ تطورًا ودقةً في إصابة أهدافه. فمداه يصل إلى نحو 300 كيلومتر. ويمتاز بدقّة إصابة تصل إلى 5–10 أمتار فقط، ويعمل بوقود صلب، ما يجعله جاهزًا للإطلاق في أقل من عشر دقائق. كما أن له نسخًا مختلفة من حيث الرؤوس الحربية: شديدة الانفجار، متشظية، أو خارقة للتحصينات. ولقد وُصف هذا الصاروخ في الصحافة الإسرائيلية بأنه “سلاح كاسر للتوازن”، إذ يجعل أي هدف استراتيجي عرضةً للإصابة الدقيقة، بما في ذلك مقرات القيادة، القواعد الجوية، والموانئ.
7 – المسيّرة شاهد 101: تعمل بالكهرباء، ما يساعد في تقليل بصمتها الحرارية. يصل مداها إلى 900 كم بسرعة أقصاها 120كم/س، ويمكنها حمل 10 كغ من المتفجرات، ومزودة بجهاز مكافحة التشويش، وجهاز توجيه الكترو-بصري EO/IR، مما يسمح لها بإرسال الصور إلى غرفة التحكم في الوقت الفعلي. وتفيد بعض التقارير ان الحزب يقوم بتص من عائلة المدفعية الصاروخية نيع هذه الطائرة في مصانعه، ويستطيع تأمين ما تحتاجه المعركة منها بشكل متواصل.
من جانب آخر، تميّز الأداء الصاروخي لحزب الله في معركة “أُولي البأس” بالتكامل العملياتي بين الصواريخ. بحيث كان واضحاً أن المقاومة لا تطلق الصواريخ عشوائيًا، بل وفق خطة نيران مركّبة تعتمد على تقسيم الأهداف إلى مستويات؛ فالأهداف التكتيكية تُضرب بصواريخ جهاد وملاك، وتُستخدم صواريخ فادي ونصر ضد الأهداف العملياتية، ويتم التعامل مع الأهداف الاستراتيجية بصواريخ قادر وفاتح 110.
ثانياً – التطور التكتيكي والصاروخي في عملية “العصف المأكول”:
في الوقت الذي حشدت فيه القوات الإسرائيلية أربع فرق من القوى النظامية، وأقامت جداراً دفاعيا بحيث أكملت التمركز في 18 نقطة ما بين المرتفعات الخمس المحتلة على الحدود الجنوبية، استعداداً لعملية التوغل، يعي حزب الله، على ما يبدو، أنه لا يستطيع وقف تقدّم القوات الإسرائيلية على خط الجبهات تلك. لذا، ركّز بدلًا من ذلك على رفع كلفة هذا التقدّم، وإبطاء وتيرته، وزيادة الخسائر التي يمكن تكبّدها للقوى المتوغلة، بهدف دفعها إلى تخفيض سقف طموحاتها. وعوضًا عن الاعتماد على الدفاع التقليدي الثابت، تبنّى الحزب مقاربةً ميدانية أكثر مرونةً تركّز على الاستنزاف، وتشمل نشر وحدات قتالية صغيرة ومتحرّكة مزوّدة بصواريخ موجَّهة مضادّة للدروع، إلى جانب تنفيذ هجماتٍ بالطائرات المسيّرة، وخوض اشتباكاتٍ من المسافة صفر. ويتمثّل الهدف من ذلك في تحويل التوغّل البرّي إلى حربٍ طويلة ومُنهِكة لإسرائيل، تستنزف قدراتها تدريجيًا. وقد برزت وفق وسائل الاعلام بعض القدرات الصاروخية الجديدة في هذه الجولة ومنها:
1 – مسيّرات FPV: وأطلق عليها الحزب اسم “المحلّقات الانتحارية”، فقد أصدر الاعلام الحربي بيانا بداية شهر نيسان أعلن فيه إستهداف تجمع آليات بسرب من المحلقات الانتحارية، وأشار الى أنه بهذا السـلاح ستتبدل تكتيكات كثيرة في المعركة البرية الحالية، وفعلاً، فقد تحدث موقع “غلوبز” العبري أن “حزب الله” يستخدم سلاحًا جديدًا مقاومًا للاعتراض، يتمثل بطائرات “FPV” تُطلق يوميًا باتجاه الدبابات والمركبات المدرعة والمعدات الهندسية “الإسرائيلية” في الجنوب اللبناني، بكلفة تُقدّر بنحو 500 دولار فقط.
2 – صاروخ باليستي فاتح-313 وهو من الصواريخ الاستراتيجية والتي لم تستخدم في الجولة القتالية السابقة، وظهر فيما نشره حزب الله في 7 نيسان 2026 وفق موقع Arab Military من لقطات فيديو تُظهر إطلاق صاروخ باليستي من طراز فاتح-313 (وقد يكون وفق وسائل إعلامية أخرى صاروخ سكود) على مستوطنة كريوت في إسرائيل. أُطلق الصاروخ بإطلاق عامودي من قاعدة تحت الأرض في سهل البقاع، ما يُثبت أن ترسانة حزب الله لا تزال سليمة إلى حد كبير.
3 – سكود D: وينتمي إلى الجيل المطوّر من الصواريخ الباليستية قصيرة إلى متوسطة المدى، وهو نسخة محسّنة عن “سكود C”، بمدى يصل إلى نحو 700 كيلومتر. كما يتميز بدقة أعلى مقارنة بالإصدارات السابقة، نتيجة إدخال تحسينات على أنظمة التوجيه.
4 – الدفاع الجوي من بين الأنظمة المحمولة المؤكدة التي بحوزة حزب الله: SA-7 وSA-14 وSA-16 الروسية الصنع، ومنها ما هو إيراني الصنع مثل ميثاق 1 و2. ويتم إطلاق هذه الأنظمة من الكتف، وهي مصممة لاستهداف الطائرات المنخفضة التحليق مثل المروحيات والطائرات بدون طيار. وجرى استخدامها في اسقاط بعض المسيرات من طراز هرمز 450. وفي معلومات غير مؤكدة عن حصول حزب الله على أنظمة صواريخ أرض-جو أكثر تطورا، مثل SA-6 وربما SA-17، ومنظومات إيرانية الصنع من طراز “سوم خرداد” و”15 خرداد”.
5 – صواريخ ألماس 1 و2 و3: المنظومة التي من المرجّح أنها باتت بحوزة حزب الله واستخدمها في عملياته الأخيرة. وهي ذات الصناعة الإيرانية بالهندسة العكسية للمنظومة الإسرائيلية Spike ويتراوح مدى تلك الصواريخ ما بين 4 – 8 حتى 10 كيلومترات وفق تراتبيتها. يستخدم هذا الصاروخ أيضاً رؤوساً حربية شديدة الانفجار مضادة للدبابات ورؤوساً حرارية من مرحلتين. ومن مميزات هذه المنظومة أنها تعمل وفق خاصية “أطلق – انسَ”، ما يعني أنه بعد إطلاق النار، لا يحتاج المستخدم إلى توجيه الصاروخ إلى الهدف.
