تملك دول التحالف الثلاثي من مقدرات عسكرية وبشرية واقتصادية وامتداد جغرافي ما يمكّنها من ملء الفراغ الذي يحدثه تراجع نفوذ أميركا وقوى غربية ودورها.
كتب رياض قهوجي في “النهار”:
في خضم الحديث عن جولة حرب مقبلة بين إيران وأميركا وإسرائيل، وبينما تستمر طهران في سياسة التصعيد وسط إصرارها على التحكم بـ مضيق هرمز وتهديدها ممرات مائية أخرى، تم الإعلان وبشكل مفاجئ عن توقيع اتفاق دفاع مشترك ثلاثي بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، ليعيد خلط الأوراق في عملية بناء منظومة أمنية جديدة للشرق الأوسط مبنية على إعطاء القوى الإقليمية الكبرى دوراً أكبر في تثبيت أمن المنطقة ومواجهة التحديات لاستقرارها. فالاعتماد المطلق على واشنطن للعب دور شرطي المنطقة وضمان أمنها لم يعد يصلح للمرحلة الحالية والمقبلة في ضوء تطورات السنوات الأخيرة، إذ بات واضحا تأثير الحرب الأوكرانية وتصاعد التنافس الصيني-الأميركي والمتغيرات في أولويات القيادة الأميركية، وتطور التكنولوجيا العسكرية على أداء واشنطن وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها السابقة نحو حلفائها حول العالم.

إمكانات قادرة على ملء الفراغ
تملك دول التحالف الثلاثي من مقدرات عسكرية وبشرية واقتصادية وامتداد جغرافي ما يمكّنها من ملء الفراغ الذي يحدثه تراجع نفوذ أميركا وقوى غربية ودورها وتردد الصين وروسيا أو عجزهما عن ملئه. أكبر تحدٍ يواجه هذه الدول هو التهديد الآني الإيراني لأمن المنطقة، إذ تسعى طهران بشكل واضح الى السيطرة على الممرات المائية الاستراتيجية الثلاث: مضيق هرمز، مضيق باب المندب، وقناة السويس. ويشكل تصعيد ميليشيا الحوثي الحليفة لإيران في البحر الأحمر والاستهداف الأخير لناقلة غاز في ميناء دمياط قرب قناة السويس، إشارات واضحة لنيات طهران. وهذه التهديدات تضر بالأمن القومي لدول الشرق الأوسط
أكثر من غيرها ومن هنا، تحرك هذه القوى الكبرى المشترك سيشكل أداة ردعٍ فعالة ضد إيران. فهي دول إسلامية وتحد إيران ولم تبادر أي منها الى الاعتداء على طهران. وبالتالي، أي تهديد من إيران أو أذرعها لأي من هذه الدول، سيضعها أمام احتمال دخولها في نزاع عسكري معها مجتمعة. يكفي أن تغلق تركيا وباكستان حدودهما البرية مع إيران تزامنا مع الحصار البحري الأميركي، لينهار النظام.
كما أن واشنطن قد تضطر بعد انتهاء الحرب الى إعادة نشر جزء كبير من قواتها خارج المنطقة، بخاصة مع تصاعد التهديدات الروسية في أوروبا، والصينية في شرق آسيا والمحيط الهادئ. تقارب هذه الدول ضمن تحالف عسكري سيزيد من التعاون الإقليمي الأمني والتكنولوجي لمواجهة التهديدات، وأي مشاريع أخري لفرض هيمنة من قوى خارجية أو إقليمية أخرى. وسيشكل هذا التحالف رسالة واضحة لإسرائيل أن دول المنطقة لا تنوي الاستمرار في الاعتماد الكبير على أميركا لأمنها، وأن الطريق الأمثل قدماً هو الاتجاه نحو استراتيجيات أكثر واقعية وعملية وغير مبنية على تغليب الحلول الأمنية على الحلول السياسية في مقاربتها للقضية الفلسطينية والعلاقات مع الدول العربية.

فعملية توسيع الاتفاقات الابراهيمية يجب أن تكون مبنية على تبني حل الدولتين ووقف توسيع الاستيطان لتحقيق السلام والتطبيع مع دول المنطقة. تهديد إسرائيل لدول المنطقة واستهداف من تشاء وأينما تشاء حتى في دول الخليج (كما حدث باستهداف الدوحة)، لن يكون مقبولاً في المنظومة الأمنية التي يُعمل عليها.
ويبدو أن واشنطن ليست ببعيدة عن عملية تشكيل هذا التحالف والمنظومة الأمنية، بخاصة أنها لن تضر بمصالحها ولا تهدد إسرائيل. بل تملك إدارة الرئيس دونالد ترامب علاقات ممتازة مع قيادات هذه الدول وتعمل على تعزيز العلاقات معها في مجالات الطاقة، والتكنولوجيا، والدفاع، والتجارة. وهذا سيلجم أي محاولات من جهات إقليمية أخرى لتقويضه. بل قد تشهد المنطقة توسيعاً لهذا الاتفاق الدفاعي ليضم دولاً أخرى في مرحلة لاحقة. إنما في الوقت الراهن، سينصب التركيز على التعامل مع تهديد إيران للممرات المائية وإنهاء دور أذرعها في لبنان والعراق واليمن. وهذا سيكون في سياق خطوات وتطورات ستشهدها المنطقة، قد تبدو في ظاهرها منفصلة عن بعضها بعضاً، ولكنها فعلياً مكملة لبعضها بعضاً، لتنتهي بولادة منظومة أمنية جديدة للشرق الأوسط.
