الأمن القومي في لبنان (1)

عدد المشاهدات: 509

 في ندوة حوارية من تنظيم مركز البحوث والدراسات الاستراتجية في الجيش اللبناني بالتعاون مع منتدى التأثير المدني يعالج د. رائـد شـرف الديـن النائب الأول لحاكم[*] مصرف لبنان الموضوع من زاوية "تحديات الأمن الإجتماعي – الإقتصادي بين القوى اللبنانية الكامنة والمجال الحيوي العربي" ويتناول بإسهاب "دور السلطة النقدية

 

في الأمن الوطني"

ونظراً لأهمية البحث يساهم موقع الأمن والدفاع العربي بنشره على حلقات أسبوعية (مساء كل يوم جمعة) ضمن التصميم المعدّ من قبل الباحث والذي يمهد بمقدمة – موضوع الحلقة الأولى – ومن ثم 2 – البعد الإجتماعي – الإقتصادي – البيئي في الأمن القومي، 3 – شواهد وأمثلة وتجارب تاريخية، 4 – البعد القومي العربي للأمن الإجتماعي – الإقتصادي اللبناني، 5 – تحديات وإشكاليات الأمن الإجتماعي – الإقتصادي في لبنان ودور مصرف لبنان في مقاربتها، 6 – تحصين الأمن الإجتماعي – الإقتصادي – البيئي من خلال البرامج التحفيزية للمصارف، ويختتم بنظرة مستقبلية في الحلقة السابعة والأخيرة.

مقدمة

شكّلت آخر ضربات معاول العمال المصريين في أعماق قناة السويس عام 1869 مفارقة تاريخية على مستوى الأمن الوطني المصري والأمن القومي العربي والأمن الدولي. ففي حين مثّل شقّ القناة هبة اقتصادية جيوسياسية استراتيجية لمصر والوطن العربي والعالم بتوفير طريق بحري للملاحة البحرية العالمية بين الشرق والغرب، فقد كان المشروع بمثابة إستثمار كارثي بسبب شروطه التعاقدية المجحفة في ذلك الوقت، بما في ذلك غياب أي حرصٍ من الطبقة السياسية المصرية الحاكمة آنذاك على حماية السيادة المصرية على القناة، وصيانة المكتسبات الإقتصادية والتنموية المصرية، وحفظ حقوق الشعب المصري الذي شق القناة بسواعده، وتأكيد اكتساب التكنولوجيا أو التعاقد من الباطن مع أطراف محلية. وقد استُخدم المشروع كأداة رئيسية في تفويض القوى الإستعمارية للأمن الوطني المصري والقومي العربي لعقود طويلة. إن هذه الخطوط التاريخية المختصرة توضح تعقيدات التفاعل بين العلم والتكنولوجيا والإقتصاد والقرارات السياسية والعلاقات الدولية والأمن القومي، بحيث تتحوّل ثروة وطنية في بلدٍ متخلف سياسياً وتنموياً واقتصادياً إلى أداة لارتهان أمنه الوطني‏1

تُظهر هذه المفارقة التاريخية أن ظاهرة الأمن القومي إنما هي ظاهرة شمولية، لا تقتصر على البعد العسكري-السياسي لدولةٍ ما، على أهمية هذا البعد، إنما تشمل الأبعاد الإقتصادية – الإجتماعية – التنموية والغذائية والصحية والتكنولوجية والبيئية، وحتى الثقافية. وبالتالي، فإن حماية الأمن القومي لأي دولة يتطلّب رؤية متكاملة تؤلّف بين هذه الأبعاد جميعها، دون مقايضات زائفة بين بعض العناصر على حساب البعض الآخر، وبوصفها هدفاً واحداً لا يقبل التجزئة، وإن كان يقبل التمرحل الموضوعي في التطبيق. وأي خللٍ يشوب أحد هذه الأبعاد يؤدي إلى تداعياتٍ تفاعلية تهدد منظومة الأمن القومي برمتها.

لا يخفى على أحد أن البعد الإجتماعي – الإقتصادي – البيئي للأمن القومي له خصوصيته من حيث الأهمية الإستراتيجية والتأسيسية، نظراً للحصانة البنيوية التي يضفيها على منظومة الأمن القومي من ناحية تأمين حياةٍ كريمة وعادلة للّبنة الأساسية للمجتمع الآمن، ألا وهو الفرد، وتوفير المقومات المادية التي تشكّل شرايين الحياة لآليات الأمن القومي وكافة أبعاده الأخرى، وإيجاد بيئة صحيّة تسهم في تعزيز مناعة مكوّنات الأمن القومي.

ولتقديم نظرةٍ موضوعية تكاملية للأمن الوطني اللبناني، لا بد من إيلاء البعد الإقليمي القومي العربي الأهمية التي يفرضها التفاعل العضوي بين هذين المستويين، خاصة في ظلّ التحوّلات والأزمات التي يشهدها المسرح الإقليمي. فهذه التحولات تلقي بتداعياتها وأثقالها على الأمن الوطني للبنان، وعلى أوضاعه الإجتماعية-الإقتصادية بشكلٍ خاص.

إن الأمن الوطني اللبناني بأبعاده كافة، بخاصة الإجتماعية والإقتصادية والبيئية، يواجه في أيامنا هذه تحدّيات وإشكالياتٍ مفصليةً ومصيرية، الأمر الذي يتطلّب أدواراً ومبادرات استثنائية. وما دور مصرف لبنان في مقاربة هذه التحديات سوى محطّة إضافية للتعبير عن تصميمٍ والتزامٍ تجاه الواجب الوطني والمسؤولية المهنية والفكر المؤسساتي التي طالما تميز بها المصرف على اختلاف العهود والتحديات، تماماً كما عودتنا المؤسسة العسكرية الوطنية التي نلتقي في رحابها اليوم.

في كلمتي اليوم سوف أتناول أولاً أهمية البعد الإجتماعي – الإقتصادي – البيئي في الأمن القومي، سألقي الضوء ثانياً، على بعض الشواهد والأمثلة والتجارب التاريخية. سأبحث ثالثاً، في البعد القومي العربي للأمن الإجتماعي – الإقتصادي اللبناني. سأعرض رابعاً، لتحديات وإشكاليات الأمن الإجتماعي – الإقتصادي في لبنان ودور مصرف لبنان في مقاربتها. خامساً، سأنهي بنظرةٍ مستقبلية.

قبل الشروع بالبحث لا بدّ لي من توضيح الفرق في استخدامي لتعبيرَي "الأمن الوطني" و"الأمن القومي" في الحالة اللبنانية. ففي حين أقصد "بالأمن الوطني" الأمن على الصعيد الوطني اللبناني، أعني "بالأمن القومي" الأمن على الصعيد الإقليمي.

1.            زحلان، أ.، 2012. العلم والسيادة: التوقعات والإمكانات في البلدان العربية. بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية.

في الحلقة المقبلة (2): دور البعد الإجتماعي – الإقتصادي – البيئي في الأمن القومي:
http://sdarabia.com/preview_news.php?id=36791&cat=9#.VY1As-2qpBd

segma

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate
Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.