التصنيع الحربي في شمال أفريقيا: هل يتوفر المغرب على صناعة عسكرية؟

مروحية CH-47D مغربية
مروحية CH-47D مغربية

عدد المشاهدات: 4311

أحمد المرابطي*

تحتل دول شمال أفريقيا المرتبة العشرين في قائمة ترتيب الدول الأكثر إنفاقاً على التسلح في العالم، وتساهم بنسب عالية في الإنفاق العسكري العربي كما تستأثر بثلث تجارة السلاح في القارة الأفريقية. وتقف وراء ظاهرة سباق التسلح القائم بين هذه الدول مجموعة من العوامل التي باتت تؤثر منذ عقود في تأجيج زخم هذه الظاهرة.

ولعل النزاعات الحدودية بين دول المنطقة، وبالخصوص نزاع الصحراء بين المغرب وجارته الشرقية بالإضافة إلى الخلافات المثارة حول الثغور والصخور المحتلة بين المغرب وجارته الشمالية، تبقى بمثابة المحدد الرئيس لظاهرة هذا التسابق العسكري المحموم الذي تشهده المنطقة.

غير أنه لا ينبغي أن يستهان بتأثير العوامل الأخرى ودورها في تشكيل واقع التوازنات العسكرية المغاربية؛ ومن بين هذه العوامل نجد، في المقدمة، المخاطر عبر الوطنية الجديدة كالإرهاب والإجرام المنظم والهجرة غير النظامية، فضلاً عن التهديدات الأمنية المركبة والمعقدة القادمة من الساحل والصحراء وغير ذلك من التبعات والآثار الأمنية السلبية الناجمة عن الثورات العربية الأخيرة.

ونظراً لما تشكله هذه العوامل من تأثير على الأمن القومي لدول شمال أفريقيا، فإن هذه الأخيرة لا تتوانى في تخصيص نسباً عالية من الانفاق الحكومي لاقتناء مختلف أنواع الأسلحة الحربية بهدف تجهيز جيوشها وتطوير نظمها الدفاعية. كما تعمل بعض دول المنطقة، كالجزائر مثلاً، على تخصيص بعض نفقاتها العسكرية لبناء وتطوير مشاريع صناعية هامة بغية تصنيع القذائف والأسلحة الخفيفة فضلاً عن بعض المركبات المدرعة. غير أن الصناعة العسكرية للجزائر، التي تتكون من سبعة شركات عمومية تابعة للدولة، تبقى، عموماً، متواضعة من حيث الحجم.  وأغلب هذه الوحدات تتمركز في وهران شمال غرب الجزائر، وتتخصص في صناعة الذخائر الحربية، والأسلحة الصغيرة، والقنابل اليدوية، والسفن الدورية، والطائرات المروحية الخفيفة، والمركبات المدرعة، والمركبات الثقيلة الخاصة بتقديم الخدمات اللوجستية، هذا، بالإضافة إلى كون الصناعة المحلية تتمتع أيضاً بقدرات إصلاح وصيانة بعض المنشآت العسكرية، البرية والبحرية.

ومن جانبه، ظل المغرب، وإلى عهد قريب، يعتمد على نفسه في تصنيع السلاح العسكري والذخيرة الحربية، إذ كان يحقق نوعاً من الاكتفاء الذاتي في هذا المجال ويلبي معظم حاجيات قواته المسلحة من الأسلحة الخفيفة، بل وكان يصدر بعض هذه الأسحلة الى بلدان القارة الأفريقية. لكن، اليوم، صار المغرب يلجأ إلى استيراد كميات كبيرة من الذخائر والأسلحة من دول أخرى لتزويد قواته المسلحة بمختلف وحداتها.

لإلقاء نظرة عامة على مدى تقدّم المغرب في سعيه إلى التصنيع العسكري المحلي، سنستحضر بعض المعطيات التي تخص الميزانية العسكرية للمملكة (أولاً)، على أن نتطرق للخطوات والإجراءات العملية التي قام ويقوم بها المغرب في إطار توجهه نحو بناء نواة لصناعة عسكرية وطنية (ثانياً).

  شاهد بالفيديو: المغرب يتسلم أول دفعة من الدبابات الأميركية لتعزيز ترسانة أسلحته

أولاً- ميزانية الدفاع في المغرب

تعتبر المملكة المغربية قوة عسكرية مهمة في منطقة شمال أفريقيا بالرغم من كون التوازن العسكري في المنطقة يبقى مختلاً بشكل واضح بفعل سياسة التسلح التي تنهجها جارته الشرقية.  وإذا كان من الصعب تحديد حجم الإنفاق العسكري المغربي نظرا لما يحاط به من سرية وعدم دقة الأرقام والبيانات الرسمية المنشورة في وسائل الاعلام، فإن بعض التقارير الحديثة تشير إلى أن المملكة تخصص ما بين 3% إلى 4% من الناتج الوطني الإجمالي لنفقاتها العسكرية، أي ما يعادل11%  إلى 13% من حجم النفقات الحكومية العامة.  ولقد أنفق المغرب طيلة حرب الصحراء ميزانيات كبيرة على تسليح جيشه وتزويده بالمعدات الحربية، غير أن إنفاقه هذا أخذ يعرف انخفاضاً ملحوظاً بفعل بروز جملة من التحولات السياسية والإستراتيجية التي شهدتها المنطقة، وعلى رأسها توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين المغرب و”جبهة البوليساريو” في إطار مخطط السلام الذي أعدته الأمم المتحدة.

وعليه، لم ينفق المغرب، طيلة السنوات الخمس التي تلت ذلك الاتفاق، سوى مئات ملايين معدودة من الدولارات على منظومته الدفاعية.  لكن رغم انحدار معدل التسلح في تلك الفترة، فإنه، ومنذ 1995 ، سيعود إلى نفس المستوى الذي كان عليه في البداية، بعد أن بلغ في هذه السنة ما يقارب مليار ونصف دولار. وفي الفترة الفاصلة بين 1996 و2004 استأثرت منطقة شمال أفريقيا بنسبة 45% من واردات السلاح إلى القارة الأفريقية، وهي الواردات التي استحوذ المغرب بمفرده على الحصة العظمى منها.

ومنذ سنة 2004 بدأ الإنفاق العسكري يرتفع، من جديد، وبشكل واضح، حيث وصل عام 2007 إلى مليارين و400 مليون دولار، وبلغ عام2010  ثلاثة مليارات و200 مليون دولار. وفي السنوات الخمس الأخيرة، وخاصة بعد اندلاع الثورات العربية وما ترتب عنها من تبعات وتداعيات أمنية، أخذ الانفاق العسكري في المملكة يتطور بوتيرة متسارعة ومرتفعة، وهو ما تبينه بشكل واضح معطيات معهد سيبري في الرسم البياني الذي أوردناه أسفله.

الإنفاق العسكري في المغرب ما بين 1988 و2014

وحسب أحدث الإحصائيات التي قام بها نفس المعهد، فإن واردات المغرب مثلت 18,1% من مجموع حجم الأسلحة المصدرة نحو شمال افريقيا ما بين عامي 2003 و2013.  وقد انتقل المغرب من المرتبة 69 إلى المرتبة 12 في قائمة المستوردين الكبار للسلاح في العالم، وذلك بعد أن تزايد حجم وارداته بنسبة 1460  بالمائة خلال هذه الفترة.

  تسيلم أولى دبابات M1A1 الأميركية الموجهة للقوات المسلحة الملكية المغربية

ولأن المغرب لا تقوم فيه صناعة عسكرية محلية، فإن المملكة تربطها علاقة تبعية للولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية – وخاصة فرنسا- في مجال التزود بالأسلحة،  فما بين 2003-2012، مثلت الصادرات العسكرية الأميركية إلى المغرب 33,8 بالمائة من مجموع الأسلحة التقليدية التي استوردها، بينما مثلت مثيلتها الفرنسية نسبة29,1 بالمائة في نفس الفترة.  إلا أن المغرب، وانسجاما مع التوجه الجديد للسياسية الخارجية المغربية الرامي إلى توسيع العلاقات وتنويع الشراكات مع القوى الإقليمية والدولية، دأب مؤخرا على الانفتاح على أسواق جديدة للسلاح، الصينية منها والروسية بالإضافة الى أسواق بعض البلدان العربية.

أهم مزودي المغرب بالسلاح ما بين 2005 و2014

 

ثانيا- من استيراد السلاح إلى التصنيع العسكري

أمام ارتفاع نفقات التسلح وما تشكله من أعباء على الميزانية الحكومية للدولة، ورغبة منه في عقلنة إنفاقه العسكري وخفض تكاليف اقتناء الأسلحة من الخارج، أخذ المغرب يخطط في السنوات الأخيرة لبناء صناعة عسكرية وطنية، وأخذ يقوم باستشارات واسعة مع مختلف الشركات الأجنبية التي تنشط في مجال السلاح وتصنيع الذخائر الحربية، وذلك تحت إشراف الملك محمد السادس القائد الأعلى ورئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الملكية.  وفي هذا الإطار، وقّع المغرب، في سنة 2012، اتفاقاً مع الشركة البلجيكية ميكار المتخصصة في تصنيع السلاح والذخيرة، تتعهد بموجبه هذه الأخيرة بتقديم الخبرة التقنية والمساعدة الفنية اللازمة ونقل التكنولوجيا الخاصة بتصنيع الذخائر ومختلف أصناف الأعيرة النارية،  المعترف بها من طرف الجيش البلجيكي ومنظمة حلف الناتو وغيرها من المنظمات الدولية.  ومن أجل تسهيل المأمورية على النشاط الصناعي الذي ستقوم به شركة ميكار في المغرب، تم تأسيس شركة تسمى MCR Technology Maroc S.A يرأسها السيد إيريك مارتن، التي ستسهر على تنفيذ برامج التصنيع العسكري تحت إشراف شركة ميكار ومجموعة شيمرينغ البريطانية.  وبعد هذا الاتفاق الأول من نوعه الذي وقعته المملكة مع هذه الشركة البلجيكية، فقد أجرى المغرب اتصالات أخرى وقام بإرسال وفود عسكرية الى عدة دول مصنعة للأسلحة كاسبانيا وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة الأميركية بالإضافة إلى الإمارات العربية والمملكة السعودية، في إطار سعيه الدؤوب نحو الشروع في برامج التصنيع الحربي وبناء معامل لصناعة الذخائر والأسلحة الخفيفة

وفي هذا الإطار، كشف الجنرال خوان مانويل غارسيا مونتانيو المشرف العام على مديرية السلاح في وزارة الدفاع الإسبانية عن مباحثات جرت بينه وبين ممثلين عن إدارة الدفاع المغربية، طلبوا خلالها المساعدة التقنية والتعاون من أجل نقل التكنولوجيا الخاصة بصناعة بعض أنواع المعدات والأسلحة الحربية.

  تمرين "علم الصحراء" الإمارتي... مشاركة عالمية وتألق سعودي

وإلى جانب ذلك، ما فتئ  المغرب يطمح إلى التعاون مع الولايات المتحدة الأميركية في مجال التصنيع العسكري وبالخصوص فيما يتعلق بتصنيع الدبابات وآليات النقل العسكري وغيرها من الأسلحة الثقيلة والخفيفة، كما تناقلت ذلك وسائل الاعلام الأميركية في الآونة الأخيرة.

كما أن المملكة وقعت، في أيار/مايو 2016، اتفاقية مع الصين خاصة بشأن التعاون في مجالات العلوم والتكنولوجيا والصناعات الدفاعية، وذلك في إطار ما أسفر عليه الإعلان المشترك بينها وبين المملكة المغربية لإقامة شراكة استراتيجية بين البلدين.

وفي إطار الاتفاقية العسكرية التي وقعها مع المملكة العربية السعودية في 15 كانون الأول/ديسمبر 2015 التي تهدف الى التعاون العسكري والتقني بين البلدين، فقد نصت، بشأن ما يخص نقل التقنية العسكرية، على أن الطرفين يوافقان على توفير المعلومات الفنية وتقنيات التصنيع اللازمة لإجراء جميع مستويات الصيانة على الأسلحة العسكرية، كما يشجع كل طرف قطاع الصناعة في بلده على إقامة مشاريع مشتركة لتجميع المنتجات العسكرية أو تصنيعها في بلد الطرف الآخر. كما أبرم اتفاقية في ذات المجال مع الإمارات العربية تهدف الى المساهمة في نقل التكنولوجيا والخبرة في مجالات التصنيع العسكري والفني، بالاضافة الى تبادل الخبرات العسكرية في مجالات أخرى بين البلدين.

بالرغم من الإكراهات والصعوبات التي تعترض سعي المملكة نحو النهوض بالتصنيع العسكري، فإن المغرب أخذ يتطلع بجدية نحو بناء وإرساء صناعة عسكرية محلية بخبرة تقنية غربية ومساعدة مالية خليجية، ويرتبط بكبريات الدول والشركات المنتجة والمصنعة للأسلحة في العالم، الأوروبية منها والأميركية. ولعل من مقومات نجاح هذا المشروع الصناعي العسكري الناشئ توفر المملكة على أطر وكفاءات علمية وتقنية عالية وبنيات إنتاجية وصناعية هامة قادرة على احتضان وحدات إنتاج عسكرية واعدة في البلاد.

*باحث في الشؤون الأمنية والعسكرية- جامعة سيدي محمد بن عبد الله – المغرب

sda-forum

Be the first to comment

اترك رد

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Translate
Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.