الأبرز

بعد داعش

محمد السماك

sda-forum
لقطة للجيش العراقي
لقطة للجيش العراقي

عدد المشاهدات: 585

السؤال الآن ماذا بعد البغدادي؟ بل من بعد البغدادي؟

يتردّد على كل شفة ولسان سؤال واحد: ماذا بعد داعش؟. ينطلق هذا السؤال من هزيمة هذا التنظيم الإرهابي في الموصل في العراق، وفي الرقة في سوريا، غير أن الهزيمة لا تعني النهاية. علمتنا تجارب التعامل مع الإرهاب أن الهزيمة هي بداية لمرحلة جديدة. هكذا حدث بعد سقوط القاعدة في أفغانستان وتصفية مؤسِّسها أسامة بن لادن. وهكذا حدث بعد سقوط أبو مصعب الزرقاوي في العراق على يد فصائل الصحوة التي أنشأها ودرّبها وموّلها الأميركيون. وهكذا حدث في المغرب العربي حتى النيجر ..

وفي نيجيريا (بوكو حرام) خسرت داعش مصادرها المالية من آبار النفط. وهي المصادر التي كانت تغطّي نفقاتها وتستقطب مقاتليها، غير أن العملية الإرهابية التي استهدفت مبنيَيْ مركز التجارة العالمي في نيويورك في أيلول/سبتمبر 2001 لم تكلّف بن لادن سوى 250 ألف دولار فقط. وهذا المبلغ هو أقل من كلفة إيجار شقة صغيرة واحدة لمدة سنة واحدة في المركز.

لا تشكّل الثروة المالية المصدر الأساس لتمويل الإرهاب. إنّ البطالة والفقر والحرمان والتهميش وامتهان كرامة الإنسان هي آبار النفط التي لا تنضب لتمويل الإرهاب والتشجيع عليه، فالإرهابيون ما ارتكبوا جرائمهم للحصول على المال أو لجمع الثروات، وإلا كيف نفسّر العمليات الانتحارية؟، وهم لم يقدموا على ما أقدموا عليه دفاعاً عن عقيدة أو دين، وإلا كيف نفسّر تهديم المساجد والكنائس، وحتى محاولة نسف الكعبة المشرّفة في مكة المكرمة؟، كان المال وكانت العقيدة الدينية أدوات ووسائل، ولم تكن هدفاً. وطالما أنّ ثمة أرضية محروثة لغرس بذور الإرهاب، وطالما أنّ ثمة أجواء صالحة لنموّها ورعايتها، فإنّ الإرهاب – كما حدث سابقاً – قد يستمر من خلال أشكال جديدة .. يبتدعها الإرهابيون.. ومن أجل أهداف جديدة يدّعون العمل على تحقيقها.

  أميركا ترسل 112 شاحنة محملة بالأسلحة إلى سوريا

تتمثّل الأرض الصالحة لنمو الارهاب في الواقع المتمثّل بإدراج العديد من الدول العربية على لائحة الدول الفاشلة من ليبيا الى اليمن. كما يتمثّل في تنامي الانقسامات المذهبية والعنصرية في عدد آخر من هذه الدول، وخاصة في سوريا والعراق. وكذلك في تراجع النمو الاجتماعي والاقتصادي في أكبر هذه الدول (مصر ذات المائة مليون مواطن نموذجاً). كما تتمثّل الأرض الصالحة لنمو الارهاب في فشل – أو تفشيل – أي تسوية للقضية الفلسطينية، مع انقسام فلسطيني – فلسطيني وتقدّم لليهودية الدينية على العلمانية الصهيونية في إسرائيل؛ وما يعكسه ذلك على الحركات العنفية التي تصادر الاسلام مظلّة لها وترتكب جرائمها بإسمه.

كذلك لا يشكّل الدين (الاسلامي) مصدراً للارهاب أو لتبريره. إنّ الأمية (التي تصل نسبتها الى 80 بالمائة في بعض المجتمعات العربية) والجهل بالدين وبأسسه وبقواعده وبرسالته الانسانية، إن كل ذلك يُستغلّ كمظلة واقية للارهابيين – أو هكذا يعتقدون – تعطي جرائمهم ضد الانسانية شرعية وهمية، تضاعف من فداحة هذه الجرائم ومن أخطارها.

إنّ منظّمة التعاون الاسلامي غائبة ومغيّبة معاً، وجامعة الدول العربية معطّلة ومشلولة معاً، ومجلس التعاون الخليجي انتقل من نموذج عربي يُحتذى إلى واقع يُخشى عليه.. أما الاتحاد المغاربي فلا يزال إسماً لغير مسمى.

يعطي هذا الواقع المحزن بُعداً أشد إيلاماً للسؤال: ماذا بعد داعش ؟

عندما قطع ذنب الأخطبوط الارهابي في أفغانستان بمقتل بن لادن والقضاء على تنظيم «القاعدة»، نمت له أذرع في العديد من الدول الأخرى التي تعاني – مثل أفغانستان – من الفقر والجهل، أو من الهيمنة الأجنبية أو من الاستبداد الداخلي، أو من كليهما. قُتِلَ بن لادن، فبرز الزرقاوي. قُتِلَ الزرقاوي فبرز البغدادي.

والسؤال الآن ماذا بعد البغدادي؟ بل من بعد البغدادي؟
لا يمكن استبعاد هذا السؤال بمضامينه السوداء المقلقة الا اذا تصرّفت دول العالم الاسلامي ودول العالم ايضاً بأسلوب مختلف عن السابق، وبمنهجية جديدة .. تتجنّب معها ارتكاب الأخطاء السابقة مرّة أخرى، وهذا يعني أنّه على دول العالم الاسلامي اتباع منهجية في الحكم الرشيد تحترم فيها حرية الانسان وكرامته، وتحترم حقّه في الحياة الكريمة سكناً وعملاً ودراسة ورعاية طبية واجتماعية. ويعني أنّ على دول العالم اتباع منهجية تحترم الاسلام كدين ورسالة سلام ومحبة للناس أجمعين، وليس اتهامه بل وإدانته كمصدر للارهاب وحاضن له.

  رئيسة وزراء بريطانيا تكشف عن خطوات لتعزيز التعاون الدفاعي مع دول الخليج

لم يعد مقبولاً – وهو ليس مقبول في الاساس – أنْ تمارس دول عربية وإسلامية سياسة القبضة الحديدية لإخضاع الناس وقهرهم وحرمانهم من حقهم في صناعة مستقبلهم. ولم يعد مقبولاً – وهو ليس مقبول في الاساس ايضاً – أنْ تمارس دول العالم سياسة التعامي – إلى حد التواطؤ – عن السياسة التدميرية للإنسان ولحقوقه ولكرامته، من أجل المحافظة على أنظمة تؤمن لها مصالحها وتنفذ لها أوامرها وتوجيهاتها.

لقد دفعت كل هذه الدول، بما فيها الدول الإسلامية والعربية أثماناً مرتفعة جداً لتلك السياسة التي انبثقت منها بذور الارهاب. ولما نمت هذه البذور عملت على رعايتها، بعضها عن جهل وبعضها عن تجاهل، وأكثرها للضغط أو الابتزاز، أو حتى «للنكاية» بخصم قريب أو بعيد. كذلك لم يعد مقبولاً ألا يرتفع الصوت الاسلامي عالياً ومدوياً لتسفيه جهالات سوء تأويل الدين، وسوء تقويله ما لا يقول به.

لقد أثبتت التجارب أنّ مقاومة الاحتلال بالإرهاب خطأ (تجربة القاعدة)، فالإرهاب يستدرج الاحتلال ويستدعيه ويفتح له الأبواب المغلقة (التجربة السورية). وأثبتت التجارب أيضاً أن القضاء على الظلم والفساد بالإرهاب خطأ (تجربة داعش التي عمّمت الظلم والفساد حتى بدت «كالمستجير من الرمضاء بالنار»). وإنّ مقاومة التمييز المذهبي والعنصري بالإرهاب خطأ (تجربة النصرة التي من أجل أن تستقطب أهل مذهب أو دين آخر، استعدت الجماعات الدينية والقومية الأخرى).

لقد أثبتت التجارب أن تصحيح الخطأ بخطأ هو أيضاً خطأ، وإنّ أفدح هذه الأخطاء وأخطرها هو السكوت على استخدام الدين وعلى تشويه قيمه ومبادئه، ذلك ان السكوت على الخطأ خطأ مثله .. وعندما يتعلق الأمر بالدين فإن الخطأ يكون أسوأ وأشد ضرراً.

من هنا، فحتى لا تكون هناك داعش، بعد سقوط داعش، أي حتى نخرج من دوامة سوء العمل، ونحن نعتقد بأنّنا نحسن صنعاً، لا بد من مراجعة نقدية لسلسلة الأفعال، وردّات الأفعال التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم .. لا نتحمّل رؤية وجوهنا أمام المرآة. إنّ سلوك الطريق الصحيح يتطلب أولاً الخروج من الطريق الخطأ. وأوّل محطة في الطريق الصحيح هي محطة الاعتراف بالخطأ.

  أكبر سفينة روسية إلى سوريا

جريدة اللواء – بتصرف

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.