SdArabia

موقع متخصص في كافة المجالات الأمنية والعسكرية والدفاعية، يغطي نشاطات القوات الجوية والبرية والبحرية

عميد (م) موسى القلاب

تعرضت دول المنطقة ولعدة أسابيع خلال الحرب الأخيرة الى هجمات متواصلة من قبل آلاف الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة الإيرانية ليلاً ونهاراً. تلك الدول تقع ضمن جغرافية مسرح العمليات الجوي الممتد من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية شرقاً الى إسرائيل غرباً، بما في ذلك الأردن، فضلاً عن القواعد والمواقع والقوات العسكرية الأمريكية المنتشرة في منطقة الشرق الأوسط.

تمتلك دول مجلس التعاون الخليجي الستة وبشكل خاص المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وكذلك المملكة الأردنية الهاشمية وإسرائيل، منظومات دفاع جوي مركزية محلية لمواجهة تلك التهديدات الإيرانية المتمثلة بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة الملغمة، فضلاً عن عدد من الصواريخ الجوالة (كروز) لكن بأعداد محدودة.

تهدف تلك المنظومات الدفاعية الإقليمية الى كشف ومشاغلة واعتراض وتدمير الصواريخ والمسيرات الإيرانية في مجالاتها الجوية قبل سقوطها على أهدافها العسكرية والمدنية. تتم عمليات الكشف من خلال ما يُسمى بوسائل الإنذار المبكر عن طريق رادارات متعددة الأدوار والمهام والمديات حسب نوع التهديد المحتمل في حينه. بينما تتم عملية الاعتراض والتدمير للصواريخ البالستية والطائرات المسيرة الإيرانية من خلال صواريخ ارض – جو و جو- جو ومدفعية مقاومة الطائرات مستفيدةً من احدث النظم الكترونية المتاحة والمعنية بتقييم قدرة وحجم التهديدات من حيث رصد مواقع وسرعات واتجاهات واعداد الأهداف الإيرانية المعادية المكتشفة.

تتكون منظومة الدفاع الجوي العربية والإقليمية والأمريكية من عناصر الدفاع الجوي الرئيسية الا وهي: الأنظمة الرادارية للكشف والانذار، والأنظمة الصاروخية والقواعد الجوية التي تؤي وتشغل طائرات مقاتلة اعتراضية وطائرات عمودية وجميعها مسلحة بصواريخ جو- جو ورشاشات بهدف تدمير الأهداف الجوية القادمة من ايران الى مناطق المسؤولية في اطار قطاعات الدفاعات الجوية التابعة لدول المنطقة. يُضاف للرادارات والصواريخ أنظمة اتصالات رقمية مترابطة ومشفرة لتأمين تبادل المعلومات الدقيقة حول آخر مستجدات الأهداف المعادية في الوقت الحقيقي، وكذلك حول جاهزية اسلحة الاعتراض المتاحة ضمن كل قاطع ومنطقة مسؤولية بحيث يجري تخصيص السلاح المناسب لتدمير الهدف المحدد قبل فوات الأوان.

لعبت عملية الإنذار المبكر دوراً رئيسيا ومهما في مواجهة التهديدات البالستية والمسيرة الإيرانية من خلال مختلف أنواع الرادارات المستخدمة أمريكياً وخليجياً لهذا الغرض. إذْ تعتمد منظومتا ثاد (THAAD) وباتريوت (Patriot) على رادارات متطورة جداً تعمل بنطاق X-band عالي الدقة، أبرزها رادار AN/TPY-2   لدى منظومة ثاد، ورادار 65 AN/MPQ–  في منظومة باتريوت، لتوفير كشف مبكر دقيق ضد الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، حيث يعملان بتكامل وترابط تامين ضمن شبكة دفاع جوي وصاروخي موحدة.

تشكل عملية تحديد مواقع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة المهمة الأساسية لإنجاح عمليات المشاغلة والاعتراض للمقذوفات، من اجل شلّ قدرة العدو الإيراني على الاستمرار في الهجوم عبر توجيه ضربات مضادة دقيقة لمواقع الاطلاق، واستكمال تدمير الأهداف الجوية وهي في مساراتها الهجومية.

تبدأ هذه العملية المعقدة تقنياً عند اختراق الجسم المعادي للأفق الراداري، حيث تقوم أنظمة الإنذار المبكر بمسح السماء باستخدام موجات كهرومغناطيسية عالية التردد، وعندما تصطدم هذه الموجات بالهدف، ترتد إلى المستقبِلات الأرضية، وهنا يبدأ دور المعالجات الرقمية المتقدمة في تحليل “البصمة الرادارية” والمسار البالستي أو المسار الموجه للطائرة المسيرة.

وبواسطة خوارزميات التتبع، يقوم الرادار بحساب “نقطة التأثير” المتوقعة، والأهم من ذلك، إجراء عملية التتبع العكسي (Back Tracking)، بهدف تحديد الإحداثيات الجغرافية الدقيقة التي انطلق منها المقذوف، ما يوفر دقة كبيرةً في رصد ومتابعة الأهداف المكتشفة، معتمدةً هذه الأنظمة على مصفوفات المسح الإلكتروني النشط والذي يجري بشكل مترابط، رغم صغر حجم الاهداف في بعض الأحيان، والتي تعتبر ذات مقطع راداري منخفض مثل المسيرات الملغمة الانتحارية السريعة وصغيرة الحجم وضعيفة البصمة الرادارية.

في هذا المجال شكل نظام باتريوت (MIM-104 Patriot) من خلال  راداره الشهير AN/MPQ-65 (الذي يتميز بقدرته على كشف التهديدات الجوية المتنوعة وتحديد مساراتها بدقة تكتيكية عالية وتقنيةً دقيقةً)،  شكل منصةً لربط البيانات حول الأهداف المعادية مع الدوائرالالكترونية لوحدات الصواريخ أو الطيران، للرد الفوري.

 أما بالنسبة للصواريخ البالستية التي تحلق في طبقات الجو العليا والفضاء الخارجي، فإن نظام “ثاد” (THAAD)  مثل قمة التكنولوجيا المتقدمة بفضل رادار AN/TPY-2، وهو رادار يعمل بنطاق (X-Band)  ويمتلك قدرة فريدة على رؤية الأهداف من مسافات بعيدة جداً، مما يمنح غرف العمليات وقتاً كافياً لتحليل نقطة الانطلاق حتى لو كانت في عمق أراضي العدو.

​تسمح خاصية التكامل بين هذه الرادارات وأنظمة القيادة والسيطرة بتفعيل شبكة دفاعية متعددة الطبقات، فبينما يركز رادار ال ثاد على التهديدات البعيدة والعالية، تتولى الرادارات التكتيكية الملحقة بأنظمة مثل “ناسامز” (NASAMS) أو “آيريس-تي” (IRIS-T)  التعامل مع الأهداف المنخفضة والبطيئة مثل المسيرات. هذا الربط المعلوماتي يحول الرادار من مجرد أداة رصد إلى “مستشعر استخباراتي” قادر على تحديد موقع منصات الإطلاق المتحركة (TELs) بدقة كافية عند توجيه الضربات الامريكية الهجومية ضد منصات وقواعد الاطلاق الإيرانية.

وفي ظل تطور تقنيات التخفي، باتت الرادارات الحديثة تعتمد بشكل متزايد على التطور التقني لتمييز الأهداف، مما يضمن أن تظل السماء تحت سيطرة القوات المدافعة، ويجعل من عملية إطلاق صاروخ أو مسيرة بمثابة توقيع يكشف ويؤكد موقع المنصة الإيرانية التي أطلقته.

نظراً لاختلاف تقنيات الصواريخ البالستية ونظام عملها عن تقنيات ونظام عمل الطائرات المسيرة، فإن منظومات الدفاعات الجوية المُشار إليها تعمل على الأغلب وفق إجراءات اعتراضية تكتيكية مختلفة بعض الشيء، بموجب اومر العمليات الثابتة في كل دولة ونظامها الدفاعي الجوي وقواعد المشاغلة بموجب ذلك النظام الدفاعي الجوي لمواجهة التهديدات المحتملة.

فالطائرات المسيرة الإيرانية يجري التعامل معها تقريباً كطائرات تقليدية تطير غالباً على ارتفاعات ما بين المنخفضة والمتوسطة وبسرعات لا تتجاوز سرعة الصوت. لدى اكتشاف الطائرات المسيرة ومشاهدتها على شاشات الرادارات الأرضية او الجوية او البحرية، تصدر غرف العمليات المختصة ضمن قاطع الدفاع الجوي إنذاراً الكترونيا لكافة القواعد الجوية وبطاريات الصواريخ ووحدات الدفاع الجوي من اجل مشاغلتها ورمايتها واسقاطها في المكان والزمان الملائمين. لقد استخدمت الطائرات القتالية المعترضة الخليجية والاردنية مثل اف- ١٦ و اف- ١٥ والطائرات العمودية المسلحة بصواريخ جو-جو ورشاشات مثل أباتشي وكوبرا بكفاءة عالية في مشاغلة واسقاط طائرات مسيرة إيرانية هاجمت اهدافاً حيوية في منطقة العمليات القتالية.

وكذلك الامر بالنسبة للصواريخ الجوالة (كروز) التي تطير على ارتفاعات منخفضة فوق سطح الأرض براً وبحراً، وبسرعات اقل من سرعة الصوت، وبسبب صغر حجمها وضعف بصمتها الرادارية تصبح عمليات مشاغلتها واسقاطها نسبياً اكثر صعوبةً من مواجهة الطائرات المسيرة، الا ان الدفاعات الجوية العربية نجحت في اسقاط العديد من تلك الصواريخ الإيرانية الجوالة المعتدية قبل وصولها الى أهدافها المرسومة.

اما الصواريخ البالستية الإيرانية فيجري التعامل معها بطريقة تختلف عن طريقة مواجهة الطائرات المسيرة والصواريخ الجوالة، حيث يُطلق على كل طريقة مصطلح (أسلوب مواجهة) الطائرات المسيرة او (أسلوب مواجهة) الصواريخ البالستية.

افتراضياً، يمر الصاروخ البالستي بثلاث مراحل هي : المرحلة الأولى وتسمى مرحلة الإطلاق والصعود الأولي في جو الأرض، ثم تبدأ المرحلة الثانية عندما يترك الصاروخ البالستي جو الأرض ويدخل في الفضاء الخارجي مرتحلاً بمسار قوسي فضائي نحو منطقة الهدف الأرضي المراد تدميره. ثم تأتي المرحلة الثالثة او النهائية التي تبدأ بتركه الفضاء الخارجي ودخوله الى جو الأرض من جديد نحو هدفه المخطط له مسبقاً.

لكن عند دخول الصاروخ البالستي الى جو الأرض وبسبب احتكاكه بالهواء ترتفع حرارته بصورة كبيرة جداً، حيث يحترق جسم الصاروخ وينفصل الرأس الحربي عن جسم الصاروخ منقضاً على الهدف الأرضي بسرعة كبيرة جدا قد تصل الى ثلاثة اضعاف سرعة الصوت خلال وقت قصير لا يتجاوز بضعة دقائق.

لا بد من الإشارة الى ان الراس الحربي مهما بلغ حجمه ووزنه فإن بصمته الرادارية تبقى اضعف بكثير من البصمة الرادارية للصاروخ البالستي اثناء مرحلة الصعود الاولي في جو الأرض بعد الاطلاق، او دخوله من جديد الى جو الأرض مقترباً من هدفه المفترض. لذا يصعب كشف الرأس الحربي ومشاغلته واسقاطه من قبل الدفاعات الجوية المتمركزة على الأرض. كما ان هنالك عوامل عديدة تؤثر على دقة اصابته الهدف الأرضي، اهما عدم دقة المعلومات الملاحية المثبتة صناعياً اصلاً في جسم الصاروخ، وعوامل الطقس كالرياح والحرارة، وتسارعه الكبير بفعل الجاذبية الأرضية نحو سطح الأرض، ما يؤدي في كثير من الأحيان الى السقوط في مناطق مفتوحة او إصابة مناطق سكنية مدنية بدلاً من المواقع العسكرية المُستهدفة.

لهذه الأسباب يقول خبراء الدفاع ضد الصواريخ البالستية ان افضل مرحلة لقنص الصاروخ البالستي واصطياده تجري اثناء مرحلة اطلاقه وصعوده الاولي في جو الأرض، وذلك من قبل صواريخ جو – جو تحملها طائرات معترضة مثل طائرات اف – ٣٥ واف – ١٥ واف – ١٦والتي تكون جاهزة في مناطق دوريات جوية فوق منطقة انتشار قواذف الصواريخ البالستية سواءً كانت تلك القواذف ثابتة او متحركة على الارض.

لعل من اهم أنظمة الدفاع الجوي الصاروخية وانجحها في مواجهة الصواريخ البالستية منظومات (ثاد)، ومنظومات (باتريوت) الامريكية وغيرها ممن يعمل بمستوياتها التقنية والتكتيكية. الا ان ثمة فارقاً جوهرياً من الناحية التقنية يكمن بين نظامي (ثاد) و(باتريوت). إذ أن النظام الأول ثاد يستطيع كشف الصاروخ البالستي وهو في مساره داخل الفضاء الخارجي، وفي الوقت الملائم يجري اطلاق صاروخ مضاد له من الأرض او البحر بحيث يعترضه في مساره الفضائي لكن ليس برأس متفجر، بل بدلاً من ذلك يجري صدمه وتدميره بمركبة حديدية مثبته براس صاروخ الدفاع الجوي التابع لمنظومة ثاد، قبل دخول الصاروخ البالستي الى جو الأرض من جديد.

اما نظام باتريوت فهو يتابع الصاروخ البالستي ورأسه الحربي اثناء وجودهما في جو الأرض خلال المرحلة النهائية، أي مرحلة انقضاضه على الهدف الأرضي، ولهذا السبب تنخفض فرصة تدمير الرأس الحربي، بعد ان تتناثر أجزاء الصاروخ البالستي الحامل للرأس لحربي جراء احتراقه عند دخوله جو الأرض او اعتراضه وتفجيره من قبل صاروخ ارض – جو العامل بموجب منظومة باتريوت. 

 في الختام، لقد استخدمت منظومات الدفاع الجوي التابعة لدول مجلس التعاون الخليجي وكذلك داخل المملكة الأردنية الهاشمية جميع مكونات وعناصر الدفاع الجوي التابعة لها والمكلفة بمواجهة الطائرات المسيرة والصواريخ البالستية الإيرانية بدرجات ناجحة وبكفاءة عالية، ما قلل بشكل ملموس من الخسائر والاصابات البشرية والمادية المفترضة على حد سواء.

شارك الخبر: