سوريا والقاعدة: الحاجة ملحّة إلى من يغير اللعبة لإنهاء ابتزاز النظام السوري

رياض قهوجي*
إذا كان هنالك ثمة قاسم مشترك بين كافة الحكام الدكتاتوريين العرب الذين انجرّوا الى مواجهة الثورات في بلدانهم على مدى الأشهر الثمانية عشر الماضية[*] فهو يتمثل باستغلالهم للقاعدة كأداة لابتزاز المجتمع الدولي، وبث الرعب بين أفراد شعوبهم لكي يتقبلوا بقاءهم في الحكم كبديل وحيد يجنبهم الغوص في خضم من الفوضى وفي حمامات الدم في غياب القانون.

فقد قام القائد الليبي الأسبق معمر القذافي بوصف الثوار في ليبيا على أنهم من إرهابيي القاعدة، وحاول الاستفادة من علاقاته مع وكالات الاستخبارات الغربية لترويج صورته كقائد للحرب ضد الإرهاب. كذلك، فإن الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، خلال قيامه بقمع الثورة، أعاد تمركز قواته العسكرية للإفساح في المجال أمام المتطرفين المنتسبين إلى القاعدة لكي يتحكموا بالمدن والأقاليم في بلاده، لكي يواصل هو التحكم بالبلاد. وهكذا نرى أن القوات العسكرية اليمنية ما زالت مشتبكة في مجابهات دموية مع هؤلاء المتطرفين لاقتلاعهم من المعاقل التي قاموا باحتلالها حديثاً.

والآن يبدو أن الرئيس السوري بشار الأسد يقوم بالشيء نفسه. فقد ألحقت السيارات المفخخة تدميراً لمباني تضم مكاتب للأجهزة الأمنية في دمشق وحلب مودية بحياة الكثير من الناس. وكانت دمشق سريعة في اتهام القاعدة، وبعد عدة أيام قامت مجموعة لم يسمع عنها من قبل أسمت نفسها " جبهة النصرة" وتدعي الانتساب إلى القاعدة، بالإدعاء عبر موقع على الإنترنت بأنها كانت وراء التفجيرات.

وقد حصلت جهود النظام السوري لربط المعارضة بالقاعدة على دعم غير مباشر من الغرب عبر تصريحات تطلق من وقت إلى آخر وفي بعض الأحيان من قبل مسؤولين عن" تواجد للقاعدة في سوريا" ولكن دون أن يعلموا ماذا يفعلون بالضبط. فمن العجب أن القاعدة المعروفة بعدائها للولايات المتحدة الأميركية والغرب، اختارت النظام السوري المعادي للغرب كهدف لها.

فمنذ قيام الولايات المتحدة الأميركية باجتياح العراق في العام 2003، وسوريا كما هو معروف بشكل واضح من قبل مجتمعات الاستخبارات في الغرب ومن قبل الحكومة العراقية هي الممر الرئيسي للمقاتلين الإسلاميين في طريقهم للقيام بضربات أو القيام بالتفجيرات الانتحارية ضد القوات الأميركية وحلفائها في العراق.

وبالإضافة إلى ذلك، وبعد طرد القوات السورية من لبنان من قبل ثورة الأرز في العام 2005، ظهرت في مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان وبشكل مفاجئ مجموعة تطلق على نفسها اسم فتح الإسلام. وكان قائد تلك المجموعة شاكر العبسي قد خرج تواً من أحد السجون السورية، وقدمت غالبية أفراد المجموعة عبر سوريا؛ وبالرغم من ادعائها التبعية لتنظيم القاعدة، إلا أن هذا التنظيم لم يعترف بها على الإطلاق. وقد كان ذلك حينئذ مجرد رسالة بسيطة للمجتمع الدولي أنه بعد خروج سوريا، أصبح لبنان عرضة لعبث قوات المتطرفين. وتقوم سوريا الآن بتطبيق سيناريو مماثل في بلدها، فالنظام يلعب اللعبة التي تقول " إما أنا أو تنظيم القاعدة".

ويتحدث سكان المدن السورية، خصوصاً العاصمة دمشق، عن تواجد مكثف للقوات العسكرية والقوات الأمنية السورية في كافة أحياء المدينة، مع تواجد حواجز أمنية على كل مفترق طرق في دمشق التي شهدت زيادة كبيرة في عدد المظاهرات التي تقوم بها المعارضة. وبالرغم من ذلك كله، فإن السيارات المفخخة المحملة بمئات الكيلوغرامات من مادة السي- 4 (C-4) والمتفجرات الأخرى استطاعت أن تمر عبر كافة الحواجز الأمنية وأن تنفجر أمام المراكز الرئيسية الأجهزة الأمنية في دولة بوليسية مثل سوريا. مع العلم أن فرص تكرار مثل هذه العمليات لمرات عدة خلال أسابيع قليلة تعتبر ضئيلة جداً، أو قد تكون معدومة على الإطلاق بحسب ما يقوله العديد من المحللين الأمنيين الذين كانوا في سوريا وخبروا طبيعة النظام هناك.

لذا، فإن ما نشهده في سوريا هو إما أقدام النظام على دس تلك المتفجرات لإعداد قضية ضد تنظيم القاعدة وربطه بالمعارضة، وبالتالي تشريع عمليته القمعية ضد شعبه، أو أن النظام السوري يسمح للإسلاميين المتطرفين بالتواجد في البلد لاستعمالهم كإنذار لتحذير الغرب برسالة تقول أنه إذا ما لم يتوقف عن دعم المعارضة وتبديل موقعه السلبي من النظام، فسوف تصبح سوريا موبوءة بإسلاميين متطرفين على غرار القاعدة يقومون بتنفيذ العمليات انطلاقاً من دولة خاسرة تقع على حدود إسرائيل الشمالية.

لقد لعب النظام السوري وأتقن فن الابتزاز على مدى سنوات عدة، عبر لعب دور المفسد: فهو يقوم بخلق المشكلة، ومن ثم يقدم نفسه على أنه يملك بيده حلها. فقد أرسل الى العراق آلاف المقاتلين الإسلاميين ومن ثم قام بتقديم خدماته إلى كل من واشنطن وبغداد لحل هذا المشكل، ولكن طبعاً لقاء ثمن، أي الحصول على فوائد اقتصادية والمزيد من السطوة السياسية في المنطقة. وللأسف الشديد فإن القوى العظمى عبر الكرة الأرضية قد تعاطفت مع النظام السوري لوقت طويل ودخلت طوعاً في لعبته، لدرجة أنها تبدو الآن غير قادرة على التعامل معه بشكل فاعل.

فمن ناحية نجد أن المجتمع الدولي يعلم أنه ليس باستطاعته بعد الآن أن يدعم شرعية النظام السوري بعد كل عمليات القتل التي قام بارتكابها، ولكن، من ناحية أخرى، فهو ليس متأكداً من وجود تهديد جدي جرّاء تواجد تنظيم القاعدة في سوريا، وكيفية التعامل مع هذا التنظيم بعد انهيار النظام السوري، خصوصاً مع تواجد إسرائيل على حدود سوريا.

وهنالك أيضاً ورقة ابتزاز أخرى يلعبها هذا النظام الآن ضد جيرانه وهي ورقة الحرب الطائفية. فقد استعمل قوات الأمن ذات الهيمنة العلوية ووحداته العسكرية وميليشيات "الشبيحة" للهجوم على المناطق السنية، وقامت تلك القوات بمجازر استفزازية للحصول على ردود فعل تحوّل الثورة القائمة ضد النظام إلى حرب أهلية قد تصل إلى لبنان والعراق وتركيا. فقد اندلعت صدامات بين مقاتلين من السنة والعلويين خلال الأيام الأخيرة في مدينة طرابلس شمال لبنان. وتدخل الجيش اللبناني على أمل إيقاف النزاع المسلح. ومرة أخرى يقوم النظام السوري بخلق المشكلة ويقدم بقاءه في السلطة كثمن وحيد لحلِّها، وهذه خدعة هائلة تظهر أن النظام السوري قد وصل ربما إلى مراحله الأخيرة.

وما يحتاجه المجتمع الدولي هنا هو قرار لتغيير هذه اللعبة؛ أي عمل حاسم يدمر استراتيجية بقاء هذا النظام، ويعمل على إجباره على التنحي بسرعة. إن التأخير في ما يعتقده البعض القيام بالتدخل العسكري الدولي الذي لا بد منه لإنهاء الأزمة السورية، يساعد على زيادة نفوذ النظام السوري في لعبة الابتزاز. وقد بدأ هذا التأخير أيضاً يبرهن على أنه مكلف جداً بالنسبة للشعب السوري، كما أنه مكلف أيضاً للمجتمع الدولي، لأن ما يقوم به هذا النظام مع القوى الراديكالية يقوض المساعي لمحاربة عنف المتطرفين. وإلى جانب التأخير هنالك أيضاً الإنكار الذي أصبح جزءًا من اللعبة حيث يدعي النظام السوري أنه " هو الآخر يتعرض للتهديد."

بالإضافة إلى ذلك، فإن ما يقوم به النظام من تأليب للعوامل الطائفية، يقوض الأمن في العديد من البلدان التي تعتبر ذات قيمة استراتيجية وحيوية بالنسبة للمجتمع الدولي وللغرب بشكل خاص، مثل العراق وتركيا والبحرين والمملكة العربية السعودية. ويبدو أن ثمن تأخير التدخل يفوق بكثير ثمن عملية تدخل سريعة سواء عبر استصدار قرار من مجلس الأمن في الأمم المتحدة، أو عبر تحالف دولي يضم قوات عربية.

فالانتظار لمدة شهرين حتى نهاية فترة عمل المراقبين الدوليين الذين أمضوا أكثر من شهر في المدن السورية لم تردع هذا النظام من القيام بعمليات قتل يومية؛ بل إن ذلك يطيل عذاب الشعب السوري، ويمنح النظام المزيد من الوقت لمصلحته. والجهود التي بذلت لجعل النظام السوري يتقيد بخطة كوفي أنان الأمنية قد برهنت عن عقمها. لقد دأب المجتمع الدولي باستمرار على تبنى سياسة عدم التفاوض مع من يدعمون الإرهابيين لتحاشي تعرضه للابتزاز من قبل هؤلاء الإرهابيين. وقد آن الأوان لتبنى السياسة ذاتها مع النظام السوري.
 

*الرئيس التنفيذي لمؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري – إينجما

 

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.